ترك الوطن والهجرة ليس بالأمر الهين أو البسيط عند كل إنسان، والإنسان العربي ربما يكون من أكثر الناس تمسكا بالأرض وانتماء لها، لذلك لا نعتقد بإقدام أي منا على الهجرة من وطنه إلى أرض أخرى حتى لو كانت أرضا عربية، لا نعتقد انه تم أو يتم ببساطة ولأسباب غير منطقية أو مجرد فكرة راودت البعض منا فأقدم على القيام بها دون تفكير ودراسة، لذلك من أقدم على الهجرة مؤخرا من هذا الوطن – كما سمعنا – لابد أن تكون لديه مبررات قوية دفعت للقيام بذلك.
ما ورد مؤخرا عن قيام أفراد أو أجزاء من عائلات بالهجرة إلى إحدى دول الخليج ليس بالأمر المستجد فقد سبقهم الكثيرون قبل ذلك ولأسباب مختلفة وهو ما يدفع إلى التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، والدوافع غير المعلومة ربما التي دفعت للقيام بما قاموا به.
قد لا تكون الأسباب سياسية، خصوصا في الوقت الراهن، بل حتى في الأوقات السابقة، فما نعلمه أن من ترك البلاد في سنوات سابقة كما حدث في خمسينات وستينات القرن الماضي على سبيل المثال ولأسباب سياسية لم يقوموا بذلك بإرادتهم، بل قاموا به رغما عنهم وفي نوع من التهجير القسري أيام الاحتلال أو الاستعمار البريطاني وظلوا متعلقين بالوطن يحنون للعودة إليه، ومنهم من عاد فعلا، وحاليا – كما نرى ونعتقد – فإن الوضع السياسي أفضل بكثير مما كان عليه في تلك الأوقات، خصوصا من ناحية الحريات السياسية، التي لم تكتمل بعد، مما يدفع إلى الاعتقاد بوجود أسباب سياسية تكمن وراء تلك الهجرة ولا نعتقد – من وجهة نظرنا على الأقل – بصحتها، فالأسباب السياسية تدفع بالإنسان إلى التمسك بوطنه أكثر والعمل على التغيير والتطوير من داخله وليس من خارجه.
الأسباب من وراء الهجرة قد تنحصر في سببين رئيسيين هما الجانب الاقتصادي من ناحية والجانب الاجتماعي من ناحية أخرى، فقد تناولنا من قبل في هذه الزاوية تدني المستوى الاقتصادي لدى الكثير من العائلات البحرينية، وربما يكون أحد أسباب هذا التدني هو الجنوح نحو اقتصاد السوق الحر المفتوح الذي يغني القلة القليلة ويفقر الأغلبية الساحقة من الشعب، وهو ما زاد من الفارق بين فئات – ولا نقول طبقات – الشعب وخلق حالة من الاحتقان لدى الأغلبية الشعبية بسبب الإحساس بالحرمان الخاص وليس العام، أي حرمان فئات قليلة وربما أفراد وبذخ واسع لفئات أخرى.
وعلى الجانب الآخر تحدثنا كذلك من قبل وفي هذه الزاوية عن التمييز العام الذي يعاني منه كثيرون أو الأكثرية، فنجد الحقوق كاملة وتزيد عن حدها عند البعض دون إنتاج أو مساهمة محسوسة في العمل الوطني، وعلى الجانب الآخر نجد حقوقا مسلوبة لدى الأغلبية ومطالب عليها تريد منها المساهمة أكثر في الإنتاج والعمل الوطني، وهذان أمران لا يتقابلان في مجتمع المساواة.
ما سبق يخلق نوعا من الدولة المغلقة على فئة أو أفراد معينين يملكون كل شيء أو أجزاء كبيرة من كل شيء مقابل فئات ممنوعة من معظم الأشياء، بمعنى تحكم فردي وليس مؤسسي في أمور الحياة الاجتماعية للأغلبية، وهذا بدوره يزيد من المعاناة الشعبية.
ثم هناك نوع من التخوف من المستقبل يعم كثيرين نتيجة لكل تلك الأسباب مجتمعة أو متفرقة، الكثيرون يجهلون ما هم مقدمون عليه وما هو قادم ولا يرون ملامح للمستقبل الذي يأملون، وهنا يمكن إدخال العامل السياسي كعامل معزز وليس وحيد في هذا الجانب.
لكن الغريب أن هذا الحدث – ونعني به الهجرة شبه الجماعية – انتشر في معظم وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي مما يوحي بمصداقيته، فلا توجد نار بلا رماد، ولكن لا نرى أي نوع من التحرك الرسمي لمعالجة المشكلة – إن وجدت – والبحث في الأسباب ظاهريا على الأقل، فربما يوجد بحث يتسم بالسرية وهو ما لا نعلمه نحن وغيرنا، ولكن في العلن لا يوجد أي تحرك مفيد، وهذا يطرح سؤالا كبيرا سمعناه لدى كثيرين في المجتمع وهو هل الدولة راضية عما يحدث ولا تحمل أهمية لخروج عائلات، وليس أفرادا منها إلى دول أخرى... حبذا لو نعرف ماذا يحدث؟ والله أعلم.