المستقبل للمهارة والمرونة والتقاطع بين الأكاديمي والحرفي
التخصص وحده لا يكفي... فماذا يريد سوق العمل؟

-
أحمد عطية: 170 مليون وظيفة متوقعة بـ 2030 نتيجة التغيرات
-
هيفاء عون: الوظائف الفنيـة والتقنية تعود بقـوة إلى الواجهة
مواكبةً لعصر التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، لم يعد سؤال “ما أفضل تخصص جامعي؟” كافيًا وحده، بل بات السؤال الأكثر واقعية: “ما الذي يحتاجه سوق العمل فعلًا؟”، وبين التخصصات الأكاديمية التقليدية، والمجالات التقنية الحديثة، والمهارات الحرفية المتطورة، يؤكد خبراء الموارد البشرية أن العالم يتجه نحو إعادة تعريف مفهوم “الوظيفة الناجحة”، بحيث لم تعد الشهادة وحدها الضمان، بل أصبحت الكفاءة، والقدرة على التطور، والمهارات العملية، عناصر أكثر حسمًا.
في هذا التقرير، نقلًا عن ملحق أضواء “البلاد جامعة”، نتجول في قراءة عملية لأهم المجالات الأكاديمية والحرفية المطلوبة خلال السنوات المقبلة:
التخصصات التقنية في الصدارة
أكد أحمد عطية، مستشار تنمية الموارد البشرية، أن كثيرًا من الطلبة يتساءلون عن وظائف المستقبل عند اختيار التخصص الجامعي، إلا أن السؤال الأهم اليوم هو: ما المهارات التي ستجعلني قادرًا على النجاح في وظائف المستقبل؟
وأوضح أن التطورات التقنية والذكاء الاصطناعي تؤثر بشكل متزايد على طبيعة الوظائف ومتطلبات سوق العمل، حيث تشير التوقعات العالمية إلى خلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030، مقابل تراجع بعض الوظائف التقليدية نتيجة الأتمتة والتغيرات الاقتصادية.
وأضاف أن المؤشرات الحالية لسوق العمل تشير إلى تزايد الطلب على المهارات الرقمية والتقنية، إلى جانب فرص واعدة في قطاعات الخدمات المالية، والرعاية الصحية، والخدمات اللوجستية، والمهن الفنية والتقنية المتخصصة.
وأشار إلى أن اختيار التخصص الجامعي لا ينبغي أن يعتمد فقط على التخصصات الأكثر طلبا، بل على التوازن بين ميول الطالب وقدراته واحتياجات سوق العمل، مع التركيز على تطوير المهارات الأساسية مثل التفكير التحليلي، وحل المشكلات، والتواصل الفعال، والمهارات الرقمية، والتعلم المستمر.
وختم بالقول: “قد تتغير الوظائف، لكن الشخص القادر على التعلم والتطور واكتساب مهارات جديدة سيظل مطلوبا في سوق العمل”.
مهن لها أولوية
وبإجراء قراءة أخرى حول المهن التي ستبقى ذات أولية، فإن الهندسة مطلوبة، لكن الأولوية تتجه أكثر نحو الهندسة المرتبطة بالطاقة المتجددة، والاستدامة، والبنية الذكية، وهندسة الأنظمة، بدلًا من بعض المسارات التقليدية المشبعة، أضف إلى ذلك، ومع تنامي دور الموانئ، والطيران، والتجارة، يلفت خبراء التوظيف إلى أن إدارة سلاسل الإمداد، واللوجستيات، والتخطيط التشغيلي، أصبحت من أهم المجالات الواعدة، خصوصًا بعد ما كشفته الأزمات العالمية من أهمية هذه القطاعات، كما أن الإعلام لم يفقد أهميته، لكنه أعاد تشكيل نفسه، فالمطلوب اليوم هو الإعلامي الرقمي، وصانع المحتوى، ومحلل الجمهور، وخبير التسويق الإلكتروني، لا فقط المسارات التقليدية.
مفاهيم اختيار التخصصات
وترى الخبيرة في الشؤون الإدارية والموارد البشرية هيفاء ماجد عون أن خريجي الثانوية العامة يقفون اليوم أمام مرحلة مفصلية تختلف كثيرًا عن مفاهيم اختيار التخصصات الجامعية في الماضي، مشيرة إلى أن سوق العمل الحديث لم يعد يعتمد فقط على الشهادات التقليدية أو المعدلات المرتفعة، بل على المهارات العملية والقدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية والتقنية المتسارعة.
وتوضح هيفاء التي تمتلك خبرة تمتد لأكثر من 20 عامًا في مجموعة “يونيتاك” وقبلها في شئون الطيران المدني، وتدرجت خلالها في عدة مواقع إدارية والموارد البشرية، أن السنوات المقبلة ستشهد طلبًا متزايدًا على التخصصات المرتبطة بالتحول الرقمي، مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا المالية، إلى جانب استمرار الحاجة إلى التخصصات الصحية والإدارية والهندسية، لكن بروح أكثر ارتباطًا بالتقنية والابتكار.
المجالات الحرفية والتقنية
وتضيف أن من أبرز التحولات الحالية عودة الاهتمام بالمجالات الحرفية والتقنية، خصوصًا مع توسع الاقتصاد الصناعي والخدمي، حيث أصبحت تخصصات مثل الكهرباء الصناعية، وصيانة الأنظمة الذكية، والتشغيل الفني، توفر فرصًا مستقرة ومجزية، مؤكدة أن بعض الوظائف الفنية المتخصصة باتت أكثر طلبًا من بعض الشهادات النظرية؛ لأن السوق يبحث عمن يمتلك القدرة على التنفيذ والتطبيق.
وتنوه إلى أن المهارات الشخصية أصبحت عاملًا حاسمًا في التوظيف، مثل التواصل الفعال، والعمل الجماعي، والإلمام باللغة الإنجليزية ولغات أخرى، والقيادة، والانضباط، والمرونة الرقمية، موضحة أن أفضل المرشحين ليسوا دائمًا أصحاب أعلى المعدلات، بل من يجمعون بين المعرفة الأكاديمية والمهارات التطبيقية. وتختم قولها بأن الشهادة الجامعية ما تزال مهمة، لكنها أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تشمل التدريب العملي، والشهادات المهنية، والخبرة المبكرة، والتعلم المستمر. وختمت برسالة إلى الطلبة وأولياء الأمور تدعو فيها إلى عدم الانسياق وراء “الوجاهة الاجتماعية” لبعض التخصصات، بل التركيز على الميول الحقيقية واحتياجات سوق العمل المستقبلية، لأن النجاح المهني في المرحلة القادمة سيكون للأكثر جاهزية وتطورًا وقدرة على التعلم المستمر.
الفرص للأكثر جاهزية
أمام عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، لم تعد الوظيفة مرتبطة فقط باسم التخصص أو نوع الشهادة، بل بقدرة الإنسان على التعلم والتكيف وتطوير مهاراته باستمرار، وبين التقنية، والمهارات الحرفية، والمعرفة الأكاديمية، تتشكل ملامح سوق عمل جديد يمنح الفرص للأكثر جاهزية ومرونة وابتكارًا، ولهذا، تبدو المرحلة القادمة بحاجة إلى جيل لا يكتفي بالتخرج، بل يمتلك عقلية التطور المستمر، لأن المستقبل لن يكون للأكثر حفظًا للمعلومات! بل للأقدر على تحويلها إلى قيمة وعمل وإبداع.