في مواجهة “العاصفة” بين التكاليف المرتفعة وتراجع الطلب
تحقيق "البلاد" | من النمو إلى البقاء: كيف تصمد المشاريع الصغيرة والمتوسطة؟
-
الدعم الحكومي والتحول الرقمي يبرزان كمسارين رئيسين لضمان الاستمرارية
-
التشدد في التمويل يحد من قدرة المشاريع على التوسع والاستمرار
-
هدى بني حماد: روح التضــامــــن المجتمعي تمثل عاملًا رئيسًا في صمـود المشاريع
-
عباس الزاكي: ارتفــــــاع التكـاليـــف وتراجــــع المشاريـع يضعان رواد الأعمال تحت ضغط كبير
-
ماجد زبــر: الســوق يعيـش حالة ترقب حـادة مع تـراجـع واضح في الإنفاق
إذا اعتمدنا على المتوفر من بيانات وإحصاءات، فإن عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في البحرين، بما فيها المتناهية الصغر، يبلغ نحو 85,700 مؤسسة، وتمثل ما يقارب 93.4 % من إجمالي السجلات التجارية في المملكة، كما توظف نحو 46 ألف بحريني، هذه الأرقام – وإن كانت تقريبية - تعكس حقيقة جوهرية: أي أزمة اقتصادية لا تمس قطاعًا محدودًا، بل تضرب الغالبية الساحقة من النشاط الاقتصادي.
وفي خضم التحولات الاقتصادية المتسارعة التي فرضتها ظروف الحرب في المنطقة، تقف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في البلاد أمام اختبار حقيقي يضع قدرتها على الصمود والاستمرار على المحك، فهذه المؤسسات، التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، لم تعد تواجه تحديات تقليدية، بل ضغوطًا مركبة تمتد من التكاليف إلى الطلب، ومن التمويل إلى الثقة.
كماشة اقتصادية تضيق الخناق
ورغم أن الأزمة الراهنة إثر العدوان الإيراني الآثم، لها تداعيات وآثار غاشمة على كل القطاعات، إلا أن جهود الدولة أسهمت وتسهم في حماية كل القطاعات، ومع ذلك فإن لذلك العدوان تبعات كبيرة ومؤثرة، وفي مقدمة هذه الضغوط، يأتي ارتفاع التكاليف التشغيلية، نتيجة زيادة أسعار الشحن والتأمين، وارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة، ما يؤدي إلى تآكل هوامش الربح بشكل متسارع، وفي المقابل، يشهد السوق تراجعًا في الطلب، مدفوعًا بانخفاض الإنفاق الاستهلاكي وتراجع السياحة وتأجيل المشاريع، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم المبيعات والسيولة النقدية، ومع استمرار هذه الضغوط، تصبح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أمام معادلة صعبة: تكاليف أعلى وإيرادات أقل.

ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ تعاني هذه المؤسسات من اضطراب سلاسل الإمداد، مع تأخر البضائع ونقص بعض المنتجات وعدم استقرار التوريد، ما يعرقل العمليات اليومية ويزيد من صعوبة التخطيط، كما يضاف إلى ذلك تشدد الجهات التمويلية، حيث أصبحت البنوك أكثر حذرًا في منح القروض، ما يؤدي إلى اختناقات مالية تحد من قدرة المؤسسات على الاستمرار أو التوسع.
حالة “اقتصاد الانتظار”
نبحث عن إجابة لهذا السؤال: ”ماذا تفعل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كيف تبقى على قيد الحياة؟”.. واضعين في الاعتبار أحد أخطر العوامل وهو تراجع الثقة، سواء لدى المستثمرين أو العملاء، ما يخلق حالة من “اقتصاد الانتظار”، حيث تتوقف القرارات الاستثمارية، ويتراجع النشاط الاقتصادي إلى حدوده الدنيا، لذلك، تواصلت “البلاد” مع عدد من رواد الأعمال وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لكن مع شديد الأسف، فضل العديد منهم عدم الحديث، وساهم آخرون في تبيان الموقف:
استمرار دعم الحكومة
يوجز رائد الأعمال ماجد زبر رأيه باختصار، بتأكيده أولًا على أن الشركات الصغيرة والمتوسطة، بوصفها جزءًا حيويًّا من النسيج الاقتصادي، ما تزال تعوّل على استمرار دعم الحكومة وعدم تخليها عن مختلف القطاعات التجارية في هذه المرحلة الحساسة.
ومع الإيجاز، يضعنا زبر في أعمق نقطة يراها فيقول: ”رغم الاطمئنان من دعم الحكومة، إلا أن السوق يشهد حالة من الترقب، حيث يلاحظ تراجعًا في حجم الإنفاق نتيجة تخوف العملاء من الدخول في استثمارات تقنية جديدة أو الالتزام بعقود طويلة المدى، في ظل ضبابية المشهد الاقتصادي الراهن”.

قطاعات متعددة وتأثير شامل
وتنتشر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في البحرين عبر قطاعات حيوية تشمل التجارة والخدمات، مثل محلات التجزئة والمطاعم والصيانة، إلى جانب السياحة والضيافة، والخدمات المالية، واللوجستيات، والتكنولوجيا وريادة الأعمال، هذا التنوع يعني أن تأثير الأزمة ليس قطاعيًّا، بل شاملًا يمتد عبر مختلف مفاصل الاقتصاد، ويرجع البعض تأثر هذه المؤسسات بشكل أكبر إلى طبيعتها الهيكلية، إذ تعتمد غالبًا على رؤوس أموال محدودة واحتياطيات مالية ضعيفة، إضافة إلى اعتمادها الكبير على التدفقات النقدية اليومية، وبمعنى مبسط، فهي أشبه بقارب صغير في بحر مضطرب، يتأثر بكل موجة مهما بدت بعيدة.
هل ما تقدم صحيح؟ يجيب رائد الأعمال في مجال التصميم والمنتجات الإعلامية والإعلانية عباس الزاكي بالقول إن ظروف الحرب تُعد من أصعب التحديات التي تواجه السوق حاليًّا، مشيرًا إلى أنها أثّرت بشكل مباشر على حجم الطلب واستقرار الأعمال، ولهذا يواجه رواد الأعمال مصاعب كبيرة، أبرزها تراجع المشاريع وارتفاع التكاليف التشغيلية، ما اضطر البعض إلى البحث عن مجالات وخدمات إضافية، حتى وإن كانت بعوائد أقل من سعر التكلفة، والغالبية يعولون على الدعم الحكومي لضمان استمرارية أعمالهم.
كيف يمكن النجاة؟
في مواجهة هذه التحديات، لا يكفي أن تسعى المؤسسات إلى الصمود، بل يتعين عليها إعادة تشكيل نماذج أعمالها بما يتلاءم مع الواقع الجديد، ويبرز في هذا السياق عدد من المسارات الحيوية، في مقدمتها تنويع مصادر الدخل، عبر عدم الاعتماد على نشاط واحد، وإضافة خدمات أو منتجات جديدة، خاصة في المجال الرقمي.
في هذه الزاوية، تنظر رائدة الأعمال ومنظمة معارض الأبرار هدى بني حماد إلى جانب مهم وهو أنه في هذه الظروف الاستثنائية الحالية، رغم صعوبتها، لم تمنع استمرار الجهود في دعم الأسر المنتجة والمؤسسات الصغيرة والمشروعات المنزلية، مشيرة إلى أن روح التعاون والتضامن تمثل سمة أصيلة ومتجذرة في المجتمع البحريني، خاصة في أوقات الأزمات.
وتضيف قولها: ”حكومة مملكة البحرين تبذل جهودًا كبيرة للحفاظ على الأمن واستمرارية الحياة بشكل طبيعي، فالأمن يشكل الأساس الذي تُبنى عليه جميع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية”، موضحة أن المعارض والأسواق تشهد تراجعًا في الحضور، إلا أن ذلك لا يعني التوقف، بل يستدعي مزيدًا من العمل والإصرار، مضيفة أن البحرينيين اعتادوا على الإنتاج والاجتهاد في مختلف الظروف، ما يعكس قدرة المجتمع على التكيف ومواصلة العطاء رغم التحديات.
وفيما يتعلق بالمرحلة المقبلة، لفتت بني حماد إلى أهمية تكامل الأدوار، داعيةً إلى استمرار الدعم الحكومي عبر حزم تحفيزية وتسهيلات مالية تحافظ على استمرارية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، في مقابل ضرورة أن يبادر رواد الأعمال إلى التكيف مع المتغيرات، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز التحول الرقمي، والبحث عن فرص جديدة، بما يضمن الاستمرار والنمو حتى في أصعب الظروف.
بين الصمود وإعادة التشكيل
وفق ما تقدم، تكشف الأزمة الراهنة أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لم تعد بحاجة إلى مجرد حلول مؤقتة، بل إلى إعادة صياغة شاملة لطريقة عملها، فالبقاء في زمن الأزمات لم يعد للأقوى فقط، بل للأكثر قدرة على التكيف وإعادة الابتكار، وبين ضغوط الواقع وفرص التحول، تبقى هذه المؤسسات أمام خيارين: إما الانكماش تحت وطأة التحديات، أو إعادة بناء نفسها لتكون أكثر مرونة واستعدادًا لمستقبل لا يشبه الماضي، وفي هذا التحدي، يتحدد شكل الاقتصاد القادم، ودور هذه المؤسسات في صناعته.
السلـوم: الـ SMEs أولويـة وطنيـة تتطلــب إجـراءات تمويليــة وتنظيميــة سـريعــة
التحول الرقمي خيار استراتيجي لا يمكن تجاهله
يطرح رئيس جمعية البحرين لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ورئيس لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بمجلس النواب النائب أحمد صباح السلوم مرئياته مستهلًا بالإشارة إلى أن الظروف الاستثنائية الراهنة تفرض تحديات كبيرة على قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، سواء في مملكة البحرين أو على مستوى المنطقة، ما يستدعي تحركًا سريعًا ومتكاملًا لضمان استمرارية هذا القطاع الحيوي.
أما عن الجمعية، فانطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية، تعمل على بلورة تصورات عملية تسهم في دعم هذا القطاع وتعزيز قدرته على التكيف مع المتغيرات، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب استجابة مرنة وسريعة لمواجهة الضغوط التشغيلية المتزايدة.
حزمة إجراءات عاجلة
ويوضح بالقول أن تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من تجاوز هذه التحديات يستلزم حزمة من الإجراءات العاجلة، في مقدمتها توفير تسهيلات تمويلية مرنة، وتأجيل الالتزامات المالية، وتخفيف الرسوم الحكومية، بما يمنحها مساحة للاستمرار والحفاظ على نشاطها الاقتصادي، إلى جانب تعزيز التحول الرقمي كخيار استراتيجي، من خلال دعم التجارة الإلكترونية وتطوير أدوات التسويق الرقمي، وفتح قنوات جديدة للوصول إلى الأسواق الإقليمية، علاوةً على أن تحفيز الشراكات بين المؤسسات الصغيرة يمثل أحد الحلول المهمة في هذه المرحلة، لما له من دور في تقليل التكاليف وتعزيز القدرة التنافسية، مشددًا على أن العمل التكاملي بين مختلف الجهات سيشكل عنصرًا حاسمًا في تجاوز التحديات الراهنة.
الوصول للحلول الممكنة
ويمثل الحفاظ على قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أولوية وطنية، كونه أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني ومصدرًا مهمًّا لخلق فرص العمل، لافتًا إلى أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتف الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص، وتبني حلول مبتكرة تضمن استمرارية الإنتاج وتحقيق التوازن الاقتصادي، ويختم السلوم بالتأكيد على أن جميع الأفكار والمبادرات التي تسهم في دعم استمرارية هذا القطاع مرحب بها، داعيًا إلى تعزيز الحوار والتعاون المشترك للوصول إلى أفضل الحلول الممكنة التي تخدم المؤسسات الوطنية وتدعم استقرارها ونموها.
الديري: استمرار المؤسسات يتطلب حـزمــة متكـاملــة مــن الإجــراءات الـداعـمــة
البحرين أثبتت قدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة عالية
يتجه رئيس جمعية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة البحرينية د.عبدالحسن الديري مباشرة للحديث عن أن الظروف الاستثنائية، ومنها تداعيات الحروب والتوترات الإقليمية، تفرض تحديات مركبة على قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، باعتباره الأكثر حساسية للتقلبات الاقتصادية، ذلك لأن استمرار هذه المؤسسات في العمل يتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات الداعمة، تشمل تسهيلات تمويلية مرنة، وإعادة جدولة الالتزامات، وتخفيف الأعباء التشغيلية، بما يضمن الحفاظ على استدامتها.
معالجة آثار الأزمة
ويفصل قوله بأن العام يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة ولن يعود الاقتصاد العالمي كما كان، والمرحلة المقبلة ستتطلب جهودًا كبيرة لمعالجة آثار الأزمة ولملمة تداعياتها، يستدرك الديري ليقول :”مملكة البحرين أثبتت في الأزمات السابقة قدرتها على التعامل بكفاءة عالية، سواء خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، أو تداعيات ما سُمّي بالربيع العربي 2011، أو جائحة كورونا، حيث قدمت نماذج رائدة في إدارة الأزمات والتخفيف من آثارها”.
دعم التحول الرقمي
الثقة كبيرة في أن الحكومة الموقرة ستواصل نهجها في تبني الحلول المبتكرة لدعم الاقتصاد الوطني، ومساندة القطاع الخاص، لا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد، لضمان تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، والانتقال من مرحلة الاطمئنان إلى مرحلة النمو والتعافي.
وليس هذا فحسب، بل يؤكد أهمية تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتفعيل المبادرات التي تدعم التحول الرقمي، وتفتح آفاقًا جديدة للأسواق، خاصة في ظل تراجع الطلب التقليدي، ثم أن هذه الظروف – كما يرى الديري – تدعو إلى تبني سياسات تحفيزية عاجلة تسهم في الحفاظ على الوظائف، وتعزيز ثقة المستثمرين ورواد الأعمال.
مرحلة جديدة لـ”الغرفة”
ويلفت الديري إلى أهمية تكاتف الجهود بين القطاعين الحكومي والخاص، لافتًا إلى أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز الشراكة، خصوصًا مع بدء مرحلة جديدة لغرفة تجارة وصناعة البحرين من خلال مجلس إدارتها الجديد، والتي يُعوَّل عليها في أن تكون شريكًا فاعلًا في دعم السوق وتحفيز الأنشطة الاقتصادية، ودعوة المؤسسات، خصوصًا الصغيرة منها، إلى اتخاذ إجراءات مرنة على المستوى الداخلي، من خلال ترشيد المصروفات وتحسين الكفاءة التشغيلية، بما يتماشى مع طبيعة المرحلة، مؤكدًا أن التحديات رغم صعوبتها تسهم في بناء مزيد من الصلابة والخبرة.
