التلقين والتحضير يحرمهم البراءة الطبيعية
تحقيق "البلاد" | الأطفال “البلوجرز”.. ضحايا الشهرة الرقمية المبكرة

-
تحول البراءة إلى أداة تسويقية
-
آلاف المتابعين للأطفال على الإنترنت
-
خوارزميات المنصات تزيد الانتشار
-
سياسات المنصات تحمي الأطفال جزئيا
-
شركات الإعلانات تستثمر بالأطفال المؤثرين
-
المحامي عبدالعظيم حبيل: الطفل في القانون البحريني ناقص الأهلية ولا يبرم العقود بنفسه
-
ندى نسيم: التضخيم المبكر للذات قد يعوق تطور النضج النفسي
-
طلال السردي: منصات “التواصل” توفر حماية خاصة للأطفال “البلوجرز”
في عالم باتت فيه الشاشات تهيمن على تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد الطفل مجرد متابع بريء للمحتوى الرقمي، بل تحوّل في كثير من البيوت إلى أداة ترويجية وصانع محتوى يُقدَّم على أنه “بلوجر” صغير يحصد آلاف وربما ملايين المتابعين.
مقاطع وصور يومية تكشف عن أدق تفاصيل حياته الخاصة، بينما المنصات الرقمية تستغل هذه الظاهرة لزيادة الأرباح، والشركات التجارية تتعامل مع هؤلاء الصغار كمناجم دعائية مربحة بلا حواجز.
هذه الطفرة الرقمية تثير في البحرين والخليج مخاوف متصاعدة، أبرزها: إلى أي مدى يشارك الأهل في دفع أطفالهم إلى هذا الضوء؟ وهل يتحول سعيهم وراء الشهرة والمال إلى شكل جديد من أشكال الاستغلال المقنَّع للطفولة؟
وسط هذا المشهد يتحمل الأهل الدور الأكبر والمسؤولية الأولى؛ فهم ليسوا مجرد مراقبين أو موجِّهين، بل أصبحوا المحرّك الرئيس وراء تحويل أبنائهم إلى مشاريع تجارية؛ فكثير من الآباء والأمهات يجهّزون أبناءهم قبل التصوير، يختارون لهم الملابس بعناية، ويُلقّنونهم العبارات والجمل التي يُفترض أن يقولوها أمام الكاميرا ليظهر الفيديو بمظهر “احترافي” أو “مثير”.
هذا التوجيه المكثف يضع الطفل تحت ضغط نفسي مستمر، ويحوّل نشاطه من تجربة بريئة إلى مهمة يومية تتطلب أداءً تمثيليًّا؛ ما يؤثر على راحته النفسية ويحرمه من التلقائية والبراءة التي تميّز سنوات الطفولة.
استعداد مزيف
في غرفة المعيشة وضعت الأم هاتفها على حامل وقامت بضبط الإضاءة بعناية، بينما وقفت الطفلة ذات الخمسة أعوام أمام الكاميرا، مرتدية فستانها الوردي، وابتسامة متوترة ترتسم على وجهها.
أمامها على الطاولة بعض عينات الحلويات مع بطاقة دعوة من صاحب مقهى محلي جديد يُقدّم أصنافا من المشروبات والحلويات.
تنحني الأم نحو الطفلة وتهمس لها بالكلمات التي يجب أن تقولها “قولي للمتابعين إن المقهى يقدم أشهى المشروبات والحلويات… ابتسمي وأظهري الحلوى أمام الكاميرا… ذكّريهم بدعوة صاحب المحل”.
تحاول الطفلة تكرار الجمل، لكنها تتلعثم قليلا، فتقف الأم لتعيد تلقينها بصوت أكثر حزما “ركّزي على الكلمات، هذه فرصة لعرض كل شيء كما يجب”.
انتشار الظاهرة
برزت الظاهرة في بدايتها على منصات مثل “يوتيوب” عالميا، إذ بدأت عائلات في مشاركة حياة أطفالها اليومية ومغامراتهم البسيطة، ومع تحقيق تلك القنوات نسب مشاهدة مرتفعة وأرباحا كبيرة، اتسع نطاقها لتشمل منصات أخرى، وفي العالم العربي تزايد حضور أطفال “البلوجرز” بصورة لافتة في السنوات الأخيرة، مدفوعا بازدهار المحتوى العائلي وارتفاع معدلات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة، وأصبحت بعض العائلات تعزز ظهور أبنائها في المحتوى بوصفهم “نجوما صغارا”، مستندة إلى التفاعل الكبير من الجمهور وشركات الإعلانات التي باتت ترى في هؤلاء الأطفال مؤثرين فعالين في جذب فئات أوسع من المتابعين.
مؤشرات مقلقة
بيّن تقرير “DataReportal 2023”، أن الأطفال والمراهقين دون سن 18 يشكلون نحو 23.5 % من عدد سكان البحرين، ومع انتشار الإنترنت بين السكان بنسبة 99 %، يتيح لنحو 344 ألف طفل ومراهق الوصول إلى العالم الرقمي.
وتبرز منصات التواصل الاجتماعي كمساحة رئيسة لهم، إذ يستخدم نحو 72 % من الجمهور المؤهل فوق 13 سنة “إنستغرام”، بينما شهد الوصول الإعلاني لمنصة “تيك توك” زيادة بنسبة 27.2 % بين بداية 2022 وبداية 2023، بحسب “ByteDance Ads”. ويملك “سناب شات” نحو 975 ألف مستخدم مع وصول إعلاني يعادل 65.9 % من إجمالي السكان، بحسب “Snap Ads”.
هذه الأرقام تكشف عن حجم مشاركة الأطفال والمراهقين في البحرين على المنصات الرقمية؛ ما يعكس بيئة خصبة لظاهرة الأطفال “البلوجرز” مع فرص وتحديات على الصعيد الاجتماعي والنفسي.
صراع داخلي
تشكّل الشهرة المبكرة خطورة حقيقية على الأطفال؛ إذ تسهم بخلق صراع داخلي في الذات، يتأرجح بين حب الظهور، والمنافسة، والغيرة، وتعزيز مبالغ فيه لصورة الأنا، وفي هذا الجانب بيّنت الأخصائية النفسية والأسرية ندى نسيم أن هذا التضخيم المبكر للذات قد يعوق تطور النضج النفسي الحقيقي، ويجعل الطفل عرضة للاستغلال من قبل الآخرين، سواء في الوسط العائلي أو الإعلامي أو المهني.
وأكملت بأن الطفل المشهور غالبا ما يكوّن صورة غير واقعية عن نفسه وعن العالم من حوله؛ نتيجة التقدير الزائف والمديح المستمر؛ ما يؤدي إلى تزييف في إدراكه لذاته، ويحول دون تعلمه مهارات التفاعل الطبيعي مع الآخرين، لافتة إلى أن الشهرة قد تهدم معاني مرحلة الطفولة، وتحرم الطفل من عيشها بشكل صحي، بما فيها من لعب، وتجربة، وأخطاء، وتعلم تدريجي، مبينة أن ذلك قد يؤدي إلى نشوء شخصية مضطربة وغير متزنة نفسيا واجتماعيا في المستقبل.
أثر نفسي
مؤشرات نفسية وسلوكية قد تدل على تأثر الطفل سلبيا بالشهرة، من أبرزها معاناته من اضطراب في بناء الشخصية، إذ يظهر ذلك عبر الميل إلى المبالغة في السلوك والتعبير، وحب الظهور المستمر، والبحث الدائم عن المديح والإعجاب من الآخرين، الذي يدل على اعتماد الطفل على التقدير الخارجي لتكوين صورة عن ذاته، وكذلك العناد والرغبة في فرض الرأي. وبيّنت نسيم في هذا الشأن أنه قد يظهر أيضا لدى الطفل نوع من العناد المفرط أو رفض التوجيه من الوالدين أو الكبار؛ نتيجة الشعور بالتميز أو الاستقلال الزائف الذي تولده الشهرة، بالإضافة إلى السعي الدائم إلى المغامرة والتجارب غير المناسبة لعمره أو التواصل غير المنضبط مع العالم الخارجي.
وشددت في السياق ذاته على ضرورة وعي الأهل ومتابعة الطفل باستمرار لأي تغيّرات نفسية أو سلوكية تظهر عليه، مشيرة إلى ضرورة توفير بيئة داعمة وآمنة تشجعه على التوازن بين حياته الشخصية واهتماماته العامة، وتغرس فيه القيم التي تحميه من الانجراف وراء الشهرة الزائفة.
سرعة الانتشار
توجد عوامل عدة تساهم في انتشار محتوى الأطفال على الإنترنت بسرعة، أبرزها العفوية والبراءة التي تظهر في تصرفاتهم وتعبيراتهم الطبيعية؛ ما يجذب المشاهدين ويثير تعاطفهم. وفي هذا الصدد أشار المدرب والمستشار في التسويق الرقمي وأمن المعلومات طلال السردي إلى أن الطابع العائلي يشجع أيضا على مشاركة المحتوى بين الأصدقاء والأقارب، فيما تساعد خوارزميات المنصات على ترويجه بسبب التفاعل الكبير الذي يحققه، وأضاف أن الانتشار يزداد أيضًا مع بروز “المؤثرين الصغار” ومشاركة الأطفال في التحديات والموضوعات الرائجة على مواقع التواصل.
الحماية والخصوصية
وأكمل السردي بأن منصات التواصل الاجتماعي توفر حماية خاصة للأطفال “البلوجرز”؛ فقد وضعت سياسات وأدوات مخصصة تهدف إلى حماية الأطفال أو المستخدمين القُصر، لكن التطبيق الفعلي والفعالية يختلفان من منصة إلى أخرى، وبيّن أن منصة “يوتيوب” على سبيل المثال تتيح لمُنشئي المحتوى تحديد ما إذا كان الفيديو موجها للأطفال أم لا، وبناء على ذلك تُقيَّد بعض الميزات مثل التعليقات والإعلانات والتوصيات، وعلى رغم ذلك ما تزال توجد فجوة في التطبيق، إذ تنشر بعض القنوات محتوى مشبوها أو غير ملائم للأطفال.
وأكد السردي أن قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت (COPPA)، يفرض على مشغلي المواقع والخدمات الإلكترونية اتخاذ إجراءات إضافية عند التعامل مع بيانات الأطفال دون 13 سنة، مثل طلب موافقة أولياء الأمور قبل جمع أي معلومات شخصية.
ولفت إلى أن مشروع قانون “Protecting Kids on Social Media Act” في مجلس الشيوخ الأميركي يُلزم المنصات بالتحقّق من عمر المستخدم، ويُقيّد استخدام الخوارزميات للأطفال، ويمنعهم من مواصلة استخدام المنصة إذا لم يُتحقَّق من العمر.
وأكمل أن قانون “Kids Online Safety Act (KOSA)” يطلب من المنصات تطبيق “واجب العناية” تجاه القُصّر، وتعطيل بعض الميزات التي قد تسبب الإدمان، وتفعيل الإعدادات الخصوصية القصوى بشكل افتراضي لحسابات القُصّر.
وبين أن هناك مبادرات داخل المنصات نفسها تضع الإعدادات الخصوصية بشكل افتراضي، وتقيّد الرسائل والتعليقات الحساسة، وتُوقِف الإشعارات بين الساعة 10 مساء و7 صباحا، كما تتيح للوالدين مراقبة بعض الاستخدامات.
مخاطر أمنية
عند نشر الطفل - أو ولي أمره - محتوى على المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي، يواجه الطفل مخاطر أمنية وأخلاقية عدة تتراوح بين الاستغلال والابتزاز، وانتهاك الخصوصية، وتسريب المعلومات الحساسة التي قد تعرض الطفل لمخاطر الاختطاف أو الملاحقات، وكذلك التنمر الإلكتروني، والتعليقات السلبية، وصولا إلى الإدمان الرقمي والمخاطر القانونية.
عقود باطلة
ويعد استغلال الطفل تجاريا بشكل يضر بصحته أو تعليمه أو نموه النفسي، شكلا من أشكال “عمالة الأطفال”، وذلك طبقا لقانون الطفل البحريني رقم (37) لسنة 2012 الذي يحظر الاستغلال الاقتصادي للطفل. وفي هذا الصدد أشار المحامي عبدالعظيم حبيل إلى أن العقود التي يبرمها الأهل باسم طفلهم تعد صحيحة في حال كانت بمصلحته، إذ إن الطفل في القانون البحريني ناقص الأهلية ولا يبرم العقود بنفسه بل يوقعها الولي عنه، غير أن هذه العقود تكون قابلة للطعن أو البطلان إذا تضمنت استغلالًا أو ضررًا، وذلك استنادًا إلى أحكام الأهلية في القانون المدني وأحكام قانون الطفل.
وعلى الرغم من أن قانون الطفل رقم (37) لسنة 2012 لم يذكر خصوصية الطفل بالنص الصريح، إلا أن قانون حماية البيانات الشخصية رقم (30) لسنة 2018 يطبّق على أي معالجة أو نشر لبيانات شخصية (مثل الصور، الموقع، التفاصيل اليومية)، ويشترط وجود موافقة صريحة أو أساس قانوني.
وأكمل حبيل في هذا الصدد بأنه بما أن الطفل يعد ناقص الأهلية فإن موافقته على نشر بياناته أو تفاصيل حياته اليومية تعد غير صحيحة قانونا؛ ما يجعل نشر بياناته دون سند قانوني مخالفة للقانون.
وأضاف أن اتفاقية حقوق الطفل التي انضمت إليها مملكة البحرين نصّت في مادتها (16) على حق الطفل بالحماية من التدخل في حياته الخاصة أو مراسلاته، إذ يتم تطبيق هذا الالتزام في القوانين المحلية للدول.
وبناءً على ذلك فإن نشر الأهل تفاصيل دقيقة عن حياة الطفل قد يشكل اعتداء على خصوصيته ومخالفة لأحكام قانون حماية البيانات الشخصية، وللمبدأ الدولي في حماية خصوصية الأطفال.
حقوق ضائعة
ظاهرة الأطفال “البلوجرز” ليست مجرد شهرة مؤقتة، بل قضية تمس حقوق الطفولة وسلامتها النفسية والاجتماعية، وبين محتوى رقمي وجمهور متابع، تكمن مسؤولية عاجلة وحاسمة للأهل والمجتمع والدولة لحماية هؤلاء الأطفال وضمان نموهم في بيئة آمنة تحافظ على براءتهم ومستقبلهم.