+A
A-

قضية اجتماعية | ساحرات لا عشيقات.. “التعلق” المرض الفتاك

 

  • التعلق المرضي أسرع طريق للاكتئاب

  • التعلق المرضي يؤدي للانتحار

  • وجوه ناعمة تتلاعب بالمشاعر وتسرق المال والسكينة

  • أنفق 30 ألف دينار عليها وتركته في مصحة نفسية

  • التعلق المرضي يؤدي إلى الوسواس القهري والهوس

 

في البدء، يأتيك الحب مرتديًا ربطة عنق إيطالية أو بلبوس فستان عرس أنيق، يعزف على وتر الاحتياج أجمل الألحان، ويكتب لك أجمل الرسائل، ويهديك وردًا لا يذبل، وصورة ضوئية لقمر لا يغيب.

لكن ما إن يتحول هذا الحب إلى تعلق مرضي يفقد جانبه الصحي وهذا ما لا يخبربك عنه أحد، حين يتحول من استقرار يرممك إلى قيد يشلك، ومن حنان يسندك إلى سجن ينسيك نفسك.

هكذا يولد التعلق المرضي، باسم الحب، وتحت قبة الوهم، فهل نُحبهم حقًا، أم نحب فيهم ما نحن بحاجة إليه؟ وهل الحب الذي يُفقدك نفسك، يستحق أن يسمى حبًا؟ أم هو مجرد ندبة تنتظر من يشفيها لا من يزيدها عمقا؟ ولماذا إلتصقت بالحب الجميل، عبارات غير جميلة مثل “أموت فيك”؟ مماتي؟! “تقبرني” فديتك” هذا ما نحاول كشفه في هذه المعالجة الصحفية.

ثنايا القضية

عبرت هذه الوقفات التي تحمل في ثناياها قضايا إنسانية أكبر من أن تحاط بالكتابة أو بالشرح نظر لتعقيداتها النفسية والعاطفية والسرية، نستطرق كل هذه الأحداث مع بعض ممن عاشوا مثل هذه التجارب.

طبعًا ناقشت فكرة إجراء هذه المقابلات مع كثير من النماذج الاجتماعية ولكنها تحفظت عن ظهور ما أٌقطروه على مسامعي من قصص على لسانهم، ومع الحصيلة التي استطعنا الحصول عليها نتناول هذه القضية في أبعادها العاطفية والإنسانية.

قال لي، وعيناه محملتان بندوب لم تشف بعد: عشت حياتي بتصحر عاطفي شديد، كأن قلبي ولد في صحراء ولم يعرف إلى طريق الواحات سبيلا. بعد سنوات ضنك على مستوى العاطفة، التقيتُ بها بعد منتصف الثلاثينات من عمري، جاءتني كقصيدة حب متأخرة، كانت البداية حلما مؤجلا استيقظ على كتف الوقت، ارتفع منسوب الحب حتى أضحى كيمياء تسري في دمي.  وأضاف: ومع الأيام، تعلقت بها أيّما تعلق، وأظنها كانت تعرف، بل تستمتع بذلك، كانت تدير الحب كأنها تدير حربًا، تطاردني بالخذلان، فأرد عليها بالمزيد من التنازلات.

وأضاف: كلما أوصدت الباب، فتحتُ قلبي على مصراعيه، عرفت لاحقًا أن ما أعيشه ليس حبًا بل مرضًا. كنتُ أعمل ضد مصلحتي، أطاردها كأنني الجاني، وأُرضيها كأنني الآثم، وأعيش ألمًا لا أعرف كيف أشرحه إذ أكتشفت أن من أشد وأسوأ الآلام تلك المتعلقة بالعاطفة.

وزاد: استغلتني عاطفيًا، ماديًا، وإنسانيًا، صرتُ أختلي بنفسي فقط لأبكي، أشعر أنني مريض بها، مسكون بها، أنفاسي مرتبطة بوجودها، قلبي منهوم بها، بينما عقلي يصرخ: “اهرب، هي لم تعد حبيبة، بل مصّاصة دماء لمشاعرك”، وهكذا عشت صراع بين قلبي وعقلي ولكني بدأت رحلة العذاب لأني مدرك لما أنا فيه من مشكلة، وقررت أن أذهب لمختص نفسي”.

يتحدث وفي قلبه غصه: ثلاث سنوات أمضيتها أُحاول أن أُشفى منها، وحين خرجت من علاقتها، كنت شاحب الملامح، مستنزفًا من الداخل، اكتشفت أنني أحمل داخلي أمراضا لم أعرفها من قبل: رهاب الحب، ووسواس قهري من الخيانة، وبذلك خرجت من اسوارالتتعلق، نعم، لكني لم أتعاف تمامًا من التداعيات الأخرى التي أصنفها كعوارض جانبية لهذه العلاقة.

ساحرات غير عشيقات

تحدث معي وهو يحاول أن يطفئ بنظراته بقايا لهب في قلبه: حذروني سلفًا أن الفتيات من تلك البلاد ساحرات ضحكت يومها، وقلت في سذاجة الواثق: “أي سحر هذا الذي لا تقاومه رجولة؟.

وتابع: كنت أظن أن السحر في عيونهن، في صوتهن حين ينادينك بدلال، في كبريائهن الذي ينكسر خصيصًا لك، لم أكن أعلم أن السحر الحقيقي يكمن في القدرة على التسلل إليك دون أن تفتح الباب، وعلى سرقة قلبك دون أن تشعر بذلك.  وانطلق مسترسلا: بدأت العلاقة، غمرتني عشقًا، دهشة، حنانًا، كنت أرى كل جمال العالم في عينيها، وكانت هي أشبه بالجنة المؤقتة التي سكنها قلبي بلا موعد.

ونوه: لم أعش أجمل من تلك الأشهر القليلة التي بدأ فيها الحب، لكن، وكما في كل قصص الحب، حين يقع البطل في حب الساحرة، لا يخرج سليمًا من قبضتها، وبنعومة لم أنتبه لها، تحولت إلى سيارة إسعاف لا تحمل معدات!

هنا ينطلق بالإيضاح: “لم أتردد في تحقيق كل متطلباتها ومتطلبات عائلتها أيضًا، كنت رجلها، فارسها، ودليلها في الغربة، كنت انتظر طلباتها كالامتحان الذي أريد أن أثبت فيه رجولتي أمامها، ونزفت من عمري ما يعجز اللسان عن وصفه، من كرامتي، ومن مدخراتي التي جمعتها بعرق السنوات.  وذكر: صارت العلاقة مثل طقس عاصف: مطر من لوم، وبرق من عتب، ورعد من برود قاتل، أنفقت 30 ألف دينار وهي مدخرات أكثر من عشر سنوات في سنة ونصف السنة فقط، وقبل أن أستفيق، كانت قد جمعت قلبًا، ومحفظة، وخدعة محبوكة بإحكام، بالنسبة لي كنت أظن أنني أحضن امرأة، فإذا بي أحتضن وهما بثمن باهظ. وانتهى حديثه بقاعدة قال أنه تعلمه بعد أن قرأ الكثير في خصوصيات العلاقات من قبل ما وضعه الأخصائيين في كتبهم: “كلهم رائعون في البداية، فلا تثق في البدايات”.

التعلق المرضي

وفقًا للتعريف النفسي فإن هذا النمط في الحب يعرف بـ”تحوّل الحب إلى حاجة” بدلا أن يكون الحب تفاعلًا متبادلًا، يصبح شعورًا بأنك “لا تستطيع العيش من دونه”، أو أنك “مقيد” بالشريك بأي غياب أو تجاهل بسيط يسبب لك ألمًا نفسيًا كبيرًا. وبحسب التعريفات النفسية لدى المصحات النفسية فإن المصاب بالتعلق المرضي يُدور بدوام حول الشريك، يفكّر فيه باستمرار، يراقب تصرفاته، يسعى بإلحاح للحصول على تأكيدات مستمرة، ويضحي الفرد باحتياجاته ويترك هواياته أو أي علاقات اجتماعية، وقد تتطور الأمور بحيث تضع كل الدنيا على الهامش من أجل هذه العلاقة، ويصاب المبتلى بهذه العلاقة بتوترًا شديدًا خوفًا من خسارة الحبيب أو الفقدان، ويتحوّل أي انتقاد بسيط في العلاقة إلى أزمة كبيرة من جهة الشخص المتعلق، وتصل إلى انفجارات عاطفية ونوبات من التوسل، وقد يعترف الشخص بمشاكله جزئيًا، لكنه يبرر سلوكه بأنه “حب عميق، أو شغف كبير ولا يرى أنه مرضي، ومن أهم الأمور أيضًا أن مشاعر الشريك تؤثر على الشخص بشكل مفرط، وقد يشعر أن مشاعره تعتمد على مشاعر الآخر.

نشاط عقلي

تقول الأخصائية النفسية ندى نسيم إن المشاعر تعد من أسمى تجارب النشاط العقلي، وهي حالة تترجم تشابك العاطفة وامتزاجها مع الحالة النفسية، وتستند إلى أسس كيميائية وعصبية في الدماغ، وتعد من الأمور المعقدة في الفهم والتحليل خصوصا إذا ما تم تصنيفها لمشاعر واعية ومشاعر غير واعية.

ولفتت إلى أن التعلق العاطفي يعد أحد المواضيع المهمة التي ترتبط بالمشاعر والقدرة على إدارتها والتحكم بها من أجل إنقاذها من الوقوع تحت مظلة الاجترار العاطفي والنفسي الكفيل بإيذاء النفس وهدم الكثير من الثقة.

مرضي أم صحي

وبينت أن التعلق العاطفي يشير إلى درجة الارتباط بالآخرين مع التأكيد على أن التعلق العاطفي مطلوب لتحسين العلاقات بين الأفراد، لكن بشرط أن لا يتحول لتعلق عاطفي مرضي وغير صحي.

وقالت: “يشكل التعلق العاطفي مشكلة نفسية خطيرة، خصوصا إذا تعمقت فكرة الشخص المتعلق بأنه أصبح مرفوضا أو مهجورا، فيبدأ بتشكيل ضغط على الطرف الآخر وتزداد سلوكياته في ممارسة التعلق لتعويض الإحساس المفقود، ما يشكل ألما وضغطا نفسيا على الطرفين ويمهد لظهور الاضطرابات النفسية، هذا بالإضافة إلى أن التعلق العاطفي يرتبط بمشكلات الخذلان وعدم الشعور بالأمان وكذلك الشعور بالحرمان والخوف من الهجر”.

وتابعت: “بالإضافة إلى أن الشخص المتعلق يعاني من بعض سمات الشخصية غير السوية، والتي تتمثل في صعوبة احترام الذات وتقديرها، وانعدام الثقة، ومشكلات في عدم القدرة على التواصل مع الآخرين، وكذلك أحياناً صعوبات في اتخاذ القرارات”.

جلسات علاجية

ونوهت بالتأكيد “إن التعافي من التعلق المرضي يحتاج خضوع المتعلق لجلسات علاجية نفسية تساعده على إعادة تنظيم مشاعره بصورة سوية مع التدريب على مهارات استحقاق الذات وذلك لوقف الإيذاء الذي يمكنه أن يحدث للطرفين”.

مشكلة كبرى

في ذات السياق تناول عدد من الخبراء والكتاب لموضوع التعلق المرضي وأبعاده النفسية والاجتماعية، وتعد الكاتبة هدى حرم من أبرز من تناولوا هذه المشكلة بأسلوب تحليلي إنساني لافت، لذلك طرقنا بابها للحصول على رأي من خلال تراكنها المعرفي حول مشكلة التعلق المرضي وقالت: “إن المصابين بالتعلق المرضي يجدون صعوبة في تقدير ذواتهم، ويبدون ضعفا أمام الآخرين، فيتخذون من الحبيب أو الصديق ملاذا وحيدًا للاهتمام، بينما يهملون أنفسهم في سبيل من يحبون.

وأضافت حرم أنّ هؤلاء يعيشون حالة ذعر شديد من احتمال الهجر أو الفقد، وأن جذور هذا التعلق تعود في الغالب إلى سوء معاملة الوالدين لأبنائهم، ما يدفعهم إلى البحث عن الحب خارج محيط أُسري يفتقر إلى الدفء والتقدير.

وأشارت إلى أن كتمان المشاعر والحرمان العاطفي من أهم العوامل التي تُسهم في الإصابة بهذا النمط من التعلق.

وترى الكاتبة أن المصارحة مع الشريك أو الوالدين بالحاجة إلى المحبة تعد خطوة جوهرية في طريق الشفاء، مؤكدة أن الاستعانة بالمعالج النفسي ضرورة لا غنى عنها للتعافي.

ونوهت إلى أن الفراغ العاطفي والذهني قد يكون بيئة خصبة لنشوء هذا النوع من التعلق، داعية إلى ملء هذا الفراغ بممارسة الهوايات والانخراط في أنشطة اجتماعية تعيد للمرء إحساسه بذاته وبقيمته، ليدرك أنه لا يحتاج إلى من يستجدي حبّه واهتمامه، أو يتمسك به رغم الأذى.

ومن جانبه أكد استشاري الطب النفسي د. عبدالكريم مصطفى أن التعلق المرضي هو علاقة غير متوازنة تنشأ من طرف واحد، يشعر فيها الشخص المتعلّق باحتياجه الشديد للطرف الآخر، ويتوهم أن ذلك حب، ويتمادى في هذه المشاعر رغم رفض الطرف الآخر له بكل السبل.

وأوضح أن هذه الحالة قد تكون عرضًا لأمراض نفسية مثل الوسواس القهري، أو الهوس، أو اضطرابات في الشخصية كالشخصية الاعتمادية أو النرجسية التي كثر الحديث عنها مؤخرًا. كما أشار إلى أن التعلق المرضي قد ينشأ أيضًا بسبب إدمان المخدرات، حيث تختلط المشاعر الحقيقية بالمزيفة، وتنشأ علاقة مرضية بين الطرفين قائمة على اشتياق وإشباع مزيفين سواء عاطفيًا أو جسديًا.

وشدد مصطفى على أن التشخيص المبكر لهذه الحالة قد يكون مسألة حياة أو موت، إذ إن بعض المتعلّقين عندما ييأسون من الوصول للطرف الآخر، قد يُقدمون على الانتحار.

وأكد أن العلاج المبكر يُسهم في شفاء الحالة بسهولة، بينما التأخر قد يُحوّل التعلق إلى حالة مزمنة، ذات مضاعفات خطيرة، مثل الإدمان، والعنف، وإهمال النفس والعلاقات، أو التورط في قضايا قانونية نتيجة التصرفات الناتجة عن التعلق.

وختم بالتنبيه إلى أهمية التمييز بين التعلق المرضي والحب الحقيقي،مشيرًا إلى ضرورة استبعاد اضطراب الغيرة الضلالية، كونه موضوعًا مختلفًا تمامًا.