البحرينيون عشقوا البحر أبًا عن جد
تحقيق "البلاد": “رئة الأعياد” على السيف.. هل تعيد البهجة لسواحلنا؟
ألم يكن المشهد رائعًا على سواحل بلادنا في الأيام الماضية احتفالًا بعيد الأضحى المبارك، وأعداد كبيرة من الأطفال يرمون “الحية بية” كتقليد تراثي شعبي؟ البحر وسواحله هما “الرئة” التي تنعش الوجدان والذاكرة بأوكسجين “المعشوق الأبدي”.. ألا وهو البحر.
البحرينيون، أبًا عن جد، لا يملون النظر إلى البحر، ولا تنتهي حكاياتهم معه، فهو الخير والأنس، وعلى سواحله تروى أجمل الذكريات، فهو ليس مجرد مساحة مائية، بل جزء من الهوية والوجدان وفصول حكايات “الهولو” و “اليامال” والغوص واللؤلؤ، ولأن البحر كان ومازال معشوق أهل البحرين، يتطلع المواطنون والمقيمون لمشروعات تطوير السواحل في قالب حضاري متجدد، يجمع بين الأصالة والحداثة.
يمتد ارتباط أهل البحرين بالبحر إلى قرون مضت، حين كانت مهنة الغوص وصيد الأسماك وتجارة اللؤلؤ تشكّل الركائز الأساسية للاقتصاد المحلي، وترسم ملامح الحياة اليومية، والبحر عند أهل البحرين ليس مجرد أفقٍ أزرق، بل هو مرآة لذاكرتهم، ورفيق رحلاتهم، وموئل أحلامهم، ومصدر فخرهم.
بعض السواحل في مختلف محافظات المملكة بدت سعيدة إن جاز لنا التعبير، وهي تستقبل المواطنين والمقيمين “عصاري العيد”.. فيما كانت “الحية بية” ترسل قبلاتها للموج في مشهد جميل.
على مدى العشرين عامًا الماضية، زحف العمران نحو السواحل ليقضم منها مساحات لا بأس بها بالدفن والردم، وبالتالي، تقلصت تلك السواحل، والأشد أن بعضها اختفى من بعض القرى التي كانت مجاورة للشواطئ بأهلها ونخيلها، وارتفعت أصوات الناس لتنادي بالحفاظ على ما تبقى منها.
بالتأكيد، يعشق المواطنون “بلاج الجزاير” حيث الآلاف منهم يحتفظون بذاكرة الأيام الجميلة في سنوات مضت منذ أن كانوا يحطون رحالهم فيه ضمن الرحلات المدرسية، لكن المسافة البعيدة تحول دون التواصل الدائم مع ذلك الشاطئ الآسر، ولهذا، فإن التلاقي بين رغبات الناس في تطوير السواحل وبين خطط الدولة لافتتاح وتطوير سواحل وواجهات بحرية، يفتح بوابة الأمل لرئة السواحل كما هو الحال بالنسبة لمشروع ساحل “خليج البحرين” وشارع الغوص وقلالي، والاستغلال الأمثل للسواحل.. فهل هناك توجهات أخرى؟ هذا ما سنقرؤه عبر هذه السطور.
بين الساحل والواجهة
بلمحة سريعة في المحرق، نعرج على بعض الأمثلة منها تخصيص ساحل حالة بوماهر كساحل عام وفق تصاميم مبدئية للمشروع، وإدراجه ضمن خطة تطوير السواحل، ومنها تهيئة ساحل الدير وسماهيج عبر إعداد دراسات الجدوى المالية والفنية بالتنسيق مع وزارة المالية والاقتصاد الوطني لطرح المشروع عبر منصة الاستثمار للأراضي الحكومية لتطوير الساحل مقابل استثمار بعض المواقع، وفي هذا الصدد، يلفت عضو المجلس البلدي للمحرق عن الدائرة السادسة فاضل العود إلى أن هناك خلطًا بين مفهوم “الساحل” و “الواجهة البحرية”، فالساحل هو الشاطئ الرملي الطبيعي الذي لا يحتاج إلى كثير من البرامج، حيث يتوافد الناس صباحا للجلسات ومساء للرياضة والأنشطة البسيطة، بينما الواجهة البحرية غالبًا ما تكون من الحصى أو الردم.
لكن، هل بالإمكان إعادة الروح إلى “الممكن من السواحل”؟ وهنا يجيب العود بالقول “لإعادة البهجة وإحياء ذاكرة السواحل في البحرين، يجب التركيز على السواحل الترابية، فالناس ستعود إليها بشكل طبيعي، مثلما نرى في ساحل كرباباد الذي أزوره أسبوعيًا، حيث تتواجد العائلات من كل الفئات العمرية دون الحاجة لبرامج منظمة، فقط الجلوس والبيع البسيط”، مقترحًا تنظيم عربات الطعام “فود تراك” على السواحل كخطوة عصرية لا تحتاج إلا إلى التنظيم الجيد.
استملاك السواحل
تعد المحافظة الشمالية من الخيارات المفضلة لتطوير السواحل، منها ساحل المالكية الذي يستقبل العشرات من المواطنين والمقيمين يوميًا ويتضاعف العدد في الإجازات، فيما فتحت سواحل مدينة سلمان خيارات أخرى مفضلة علاوة على ساحل حديقة البديع وساحل كرزكان وغيرها، إلا أن المواطنين يعيدون الطلب بضرورة إنشاء وتأهيل مرافق مهمة كدورات المياه ومقاعد الجلوس والمظلات، ولكن، هل هناك ما يقوله عضو المجلس البلدي للمنطقة الشمالية ممثل الدائرة الثالثة محمد الدوسري؟
يستهل الدوسري إجابته بالقول “من الأهمية بمكان تطوير السواحل كمتنفس للأهالي، فسواحل البحرين الحيوية من المشاريع الرائدة التي تهدف إلى راحة المواطنين، وهي رؤية أرادتها القيادة لتكون متنفسًا للأسرة البحرينية”.
ويعيد الدوسري تأكيد أهمية استملاك السواحل وتحويلها للمنفعة العامة، ويوضح بالقول “كثير من السواحل أصبحت شبه مستملكة، لكن لو نظرنا إلى بعض القرارات التنظيمية في دول مجلس التعاون على سبيل المثال، فهناك قرارات تمنع استملاك الواجهات البحرية”.
ويحمل ملفًا مهمًا بدائرته ألا وهو ساحل الهملة، فهذا الساحل هو المتنفس الوحيد لأهل القرية، من بحارة ومن عامة الناس، لكنه ليس ملكًا حكوميًا! وحتى تتحقق أمنيات أهالي القرية، فإن الحل هو استملاك الساحل، والمحاولات مستمرة مع الجهات التنفيذية التي لم توافق حتى الآن على استملاكه.
تأهيل السواحل
وبالنسبة للسواحل التي يرتادها الناس في مختلف المحافظات، فإن غالبها في حاجة إلى تأهيل كما رصدنا من آراء المواطنين في هذا الشأن، ومن بين ما يلبي احتياجات المرتادين لتلك السواحل هو توفير بعض الخدمات، مثل دورات المياه، المظلات والمقاعد، زيادة المساحات الخضراء والتشجير، وتخصيص مرفق المرشات المائية للاستحمام، ولابد من مشاركة القطاع الخاص في التعاون مع المجالس البلدية في تطوير السواحل، وهناك تجارب ناجحة ساهمت فيها الشركات والمؤسسات في توفير مرافق تلبي حاجة المرتادين.
مشروع “ساحل خليج البحرين”.. نموذج متكامل

في السابع من نوفمبر من العام 2021 تم وضع حجر الأساس لمشروع كبير خططت له هيئة البحرين للسياحة والمعارض، وهو مشروع ساحل “خليج البحرين”، وسيكون ساحلًا عامًا ومجانيًا للمواطنين والمقيمين والسياح.
ووفق المعلومات المعلنة، فإن المشروع يمتد على مساحة تزيد على 170 ألف متر مربع، بواجهة بحرية طولها 600 متر موزعة على خمسة أقسام، وأول هذه الأقسام هو ساحل عام تقوم هيئة البحرين للسياحة والمعارض بتطويره، ويضم شاطئًا عامًا بطول 200 متر يمثل 28 % من إجمالي مساحة المشروع، أما الأقسام الأربعة المتبقية، فتُخصص لإنشاء شواطئ خاصة بمنشآت سياحية بواجهة بحرية بطول 100 متر لكل منها، إضافة إلى منطقة مخصصة للمرافق الخدمية و425 موقفًا عامًا.
هذا المشروع يدخل في إطار الاستراتيجية السياحية لمملكة البحرين (2022 - 2026)، ومن أعلى قائمة الاستراتيجية رفع عدد الزوّار إلى 14.1 مليون زائر بحلول 2026، وزيادة متوسط الإنفاق اليومي إلى 74.8 دينارًا بحرينيًا، ورفع متوسط مدة الإقامة إلى 3.5 يومًا، بما يُعزز دور السياحة في دعم الاقتصاد الوطني ويُسهم في تعزيز تنافسية المملكة وجذب الاستثمارات.
وبالنظر إلى مخطط المشروع، فإن هذا الساحل الممتد من الساحل الشمالي لخليج البحرين إلى جنوب منطقة الساية، يعد من أبرز الإضافات النوعية للمنطقة، التي تُعد من أكثر المناطق تطورًا عقاريًا في المملكة، ويفتح أفقًا للاستثمار المحلي والأجنبي؛ بفضل المواقع المتميزة التي توفر مدخولًا ماليًا للدولة وفرص عمل للمواطنين.