الوقت غير مناسب لنختلف كإخوة، بل يستوجب إزاحة كل الخلافات جانبا والنظر لما نحن فيه الآن بعين واحدة، كم أسعد الجميع ما تناقلته الأنباء حول عودة السفراء الخليجيين إلى عاصمة شقيقتهم الدوحة مما يعني زوال الغمة العربية الخليجية وعودة المياه إلى مجاريها الطبيعية والمغذية للجسم العربي الذي هو في أشد الحاجة إليها في وقتنا الراهن.
منذ أعوام طويلة زادت على الثلاثين عاما وخليجنا العربي يتعرض لأخطار كثيرة ومتعددة، ولكن أخطرها ما يعيشه اليوم حيث هو مهدد في وجوده وانتمائه وهويته ومستقبله، فما يحدث على حدوده الشمالية يحمل تهديدا غير مسبوق لهويته الدينية ويهدد مستقبله بسبب تكاثر التنظيمات الحاملة للفكر الإرهابي وتطورها الدراماتيكي بحصولها على الأرض التي يمكن أن تنطلق منها وتجعلها قاعدة تهدد من خلالها المحيطين بها وأولهم المملكة العربية السعودية ومن ثم أشقاؤها في الخليج العربي، وعلى الناحية الأخرى في الجنوب الغربي بدأ تحالف علي عبدالله والحوثيين في التمدد وامتلاك الأرض اليمنية بالكامل تقريبا في مؤامرة كبرى اشتركت فيها عناصر وجهات متعددة سلمت اليمن للحوثيين، وصالح يظن أنه عائد من خلال خيانته لحكم اليمن مرة أخرى، ولكن ذلك التمدد ومعه التحالف الحوثي الصالحي يجعل الخيانة تتحرك على الحدود الجنوبية الغربية للسعودية ويضعها بين فكي كماشة تعيق – كما هو مطلوب – قدرتها على الفعل والتأثير وتشغلها عن القضايا المهمة الأخرى في عالمنا العربي والإسلامي.
من هنا تكون عودة السفراء بشير خير على أن الخلافات التي عصفت في المنطقة بين الأشقاء قد أخذت طريقها للزوال وبدأت في رصف طريق العمل الجماعي لدولنا الخليجية العربية من أجل انتشال الشعب العربي في الخليج مما يمكن أن يحاك له من وراء الكواليس وفي الغرف المظلمة، وهو ما يوحي بأن الأشقاء قد أدركوا ان الخير هو في عودتهم إلى الحق بعيدا عن التعنت في المواقف، فقطر لابد انها أيقنت ان موقعها مع أشقائها وليس مع غيرهم وباقي الدول لابد وأن تكون أيقنت هي الأخرى أنه ليس من الخير لها إبعاد الشقيقة عن موقع القرار العربي المشترك، خصوصا بعد أن أوشكت أسعار النفط على الانهيار كما حدث منتصف ثمانينات القرن الماضي حين هوت أسعار النفط حينها وأكلت مدخرات دولنا الخليجية، واليوم يمكن أن تتكرر المأساة وتضطر هذه الدول لسد العجز المتوقع والإبقاء على المشاريع الموجودة، تضطر إلى المساس بمدخرات المستقبل مرة أخرى، وكان الخارج لا يريد لنا أن نصنع مستقبلا لأجيالنا القادمة.
من هنا لابد لهذه الدول مجتمعة ان تدرك خطورة الموقف مرة أخرى وتصل إلى نتيجة واحدة مفادها انها متفرقة عرضة لأخطار سياسية وجغرافية واقتصادية كثيرة، مما يتطلب عودتها إلى العمل المشترك والقرار الواحد والبدء الجاد في طريق الوحدة العربية الخليجية المنشودة التي تحول المنطقة إلى دولة عربية كبرى وليس دولا صغيرة متفرقة ضعيفة التأثير والقرار.
هناك مشاريع مشتركة أعاقتها الخلافات الأخيرة وأخرت الشروع فيها مع أنها حيوية جدا ومهمة للشعب العربي في الخليج، وربما يكون من أهمها الجسر المقترح بين البحرين وقطر والذي تأخر لسنوات كثيرة بالرغم من الانتهاء من جميع الدراسات الخاصة به منذ سنوات، ولكن السياسة وخلافاتها أبت إلا أن تؤخر هذا المشروع الشعبي والحيوي مرات عديدة وتعيق الربط الجغرافي بين الشقيقتين وكأنه كتب علينا ألا نتوحد.
نتمنى أن يكون ما سبق آخر الخلافات ونتمنى أن التصالح الأخير بداية لتحقيق حلم عربي قديم في الوحدة التي تأخرت كثيرا... والله أعلم.