العدد 1585
الجمعة 15 فبراير 2013
الخصخصة والأرضية الصالحة أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الجمعة 15 فبراير 2013

يبدو أن موجة أو موضة الخصخصة قد خف أوارها علنا وخفت في الأيام الأخيرة خصوصا بعد ما أطلق عليه الربيع العربي ربما بسبب توجه الأنظمة الجديدة – وهو ما لا نظنه نظرا لنوعية الأنظمة الجديدة التي وصلت للحكم في هذه الدول – فإن لم يكن بسبب الأنظمة فربما بسبب وصول تلك الأنظمة عن طريق الهبات الشعبية وليس الانقلابات بغض النظر عن تمثيل تلك الأنظمة للجماهير أم لا، وربما لانشغال الأنظمة بأمور تراها أهم وهي محاربة التوجه الجماهيري المتمثل في المطالبة بالحقوق المهدورة، المهم أن ذلك يتناغم والرغبات الشعبية التي ترفض التحكم الفردي في مستقبلها السياسي والاقتصادي الذي يدعمه ويقويه نظام الخصخصة على حساب المواطن الإنسان.
الذين يتحدثون عن أن الخصخصة تعني التطور السريع والتطوير المستمر والسرعة في اتخاذ القرار والنمو المطرد، هؤلاء لم يذكروا الكثير من الأمثلة عن المؤسسات الخاصة والشركات التي هوت وانتهت بجرة قلم وأودت بمصائر الكثير من البشر بسبب تقلص الربحية أو الدخول في الخسائر والعجز عن تغيير نمط الخسائر التي تسير عليه، هؤلاء الداعون للخصخصة ربما لم يفكروا في مثل تلك الشركات التي يضم بعضها الآلاف من البشر ولم يحاولوا التوقف عند الأسباب الكامنة وراء انتهاء مثل تلك المؤسسات.. إن التوقف عند تلك الأمور يعطي نتائج تتناقض والدعوة المستمرة للخصخصة غير المدروسة أو التي تحركها المنافع الذاتية البعيدة عن المصالح العامة الوطنية.
منذ بعض الأيام والصحافة المحلية تتناول خبر إفلاس أو عدم قدرة شركة طيران البحرين على الاستمرار في تقديم خدماتها وهو ما يعني توقفها عن العمل فجأة ولا نقول دون سابق إنذار لأن المؤشرات كانت توحي بشيء من ذلك خصوصا في الأسابيع الأخيرة التي حاول بعض مسؤولي الشركة التنبيه لها من خلال انتقاد الموقف الرسمي من الشركة – حسب كلام أصحاب الشأن – والإيحاء بمحاولات التضييق على الشركة والدفع بحلها وتفليسها، وليس هناك من يعرف حقيقة الأمر ولا الأسباب التي أدت بالشركة إلى هذا الوضع ودور الحكومة ممثلة في وزارة المواصلات، فكل ذلك لا يعرفه إلا المقربون والمطلعون من الداخل على مجريات الأمور – ربما بسبب الشفافية المنتشرة عندنا في الفترة الأخيرة – ولكن ذلك لا يمنع أيا منا من الحديث من الخارج وليس من الداخل عن مثل تلك المشاكل وما شابهها من المشاكل الناتجة في القطاع الخاص الذي أوجدته عملية الخصخصة التي تفاقمت في عالمنا العربي في السنوات الماضية.
حين تبدأ الخسائر في بعض الشركات الخاصة ولأي سبب كان فإن تلك الشركات تضيق الرؤية عندها وعند من يملكها أو يساهم فيها لتنظر فقط إلى مصلحة المالك أو المساهم – ولا ضير في ذلك فهذا حق للجميع أن يبحثوا عن مصالحهم – ولكن المشكلة أن هذه المصالح تتعارض في الكثير من الأحيان مع المصالح العامة والتي منها العاملون في تلك الشركات والمنتفعون منها خصوصا ونحن نعيش في ظل قانون لا يحمي ذلك العامل الذي يمكن أن يجد نفسه فجأة بدون عمل بسبب تعنت طرف من الأطراف – كما هو الحال في هذه القضية التي نتحدث عنها – أو المنتفع الذي يفقد خدمته دون بديل، فالقطاع الخاص والفردي لا يستطيع تحمل الخسائر لمدة طويلة كونه لا يحمل مسؤولية تجاه العاملين لديه غير المرتب الذي يدفعه آخر كل شهر إضافة إلى الحقوق الأخرى التي يسردها القانون الحالي كالتقاعد وغيره، وهو كذلك لا يريد أن يتحمل مسؤولية تجاه المجتمع خصوصا في الشركات ذات المسؤولية المحدودة.
العلاقة مفقودة في مجتمعنا بين القطاع الخاص والجهات المنظمة، والقوانين التي تنظم ذلك يبدو أنها بحاجة إلى نوع من التقييم والتطوير وإلا كيف يمكن أن يلقي كل طرف اللوم على الآخر، شركات القطاع الخاص والحكومة، في أمر مهم كالذي نحن بصدده، والذي يمكن أن تضيع حقوق الكثير من المواطنين، لذلك نعتقد أن الأرضية المناسبة للخصخصة لم تتهيأ بعد ولم يتم فرشها، فهي مازالت مليئة بالمطبات والحفر التي تعيق حركة التحول من العام إلى الخاص.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية