العدد 1597
الأربعاء 27 فبراير 2013
طيران الخليج وقصة النملة المجتهدة إبراهيم بوصندل
إبراهيم بوصندل
لمن كان له قلب
الأربعاء 27 فبراير 2013

أرسل لي أحد الأصدقاء الأعزاء قصة جميلة تجسّد بأسلوب خيالي وذكي الكثير من أسباب البلايا والرزايا التي يعاني منها شعبنا خاصة والشعوب عامة.
تقول القصة وسأنقلها بتصرف، إنه كان في الغابة نملة مجتهدة تعمل كل يوم بنشاط وهمّة وسعادة، فتنتج وتنجز الكثير، وقد رآها الأسد (ملك الغابة) تعمل بكفاءة متناهية.
قال الأسد لنفسه “إذا كانت النملة تعمل بكل هذه الطاقة من دون أن يشرف عليها أحد، فكيف سيكون إنتاجها لو عينت لها مشرفاً؟ وهكذا قام بتوظيف الصرصور مشرفاً على أداء النملة”.
أول قرار اتخذه الصرصور المشرف هو وضع نظام للحضور والانصراف، وتوظيف مساعدة له لكتابة التقارير عن أداء النملة، وعنكبوت لإدارة وتنظيم الإشراف.
بدأ الصرصور المشرف بكتابة التقارير وقد سُرّ بها الأسد، وطلب منه تطويرها ودعمها بالرسوم البيانية وتحليل معطياتها لعرضها في اجتماع للحيوانات.
قام الصرصور على إثر ذلك بشراء الأجهزة والمعدات والأدوات اللازمة لإنجاز العمل المطلوب وتقديمه في أجمل صورة، ثم عين الذبابة مسئولة عن قسم المعلومات.
لاحظت النملة المجتهدة تضخم الجوانب الإدارية في النظام الجديد، وكثرة المشرفين عليها، وطول الاجتماعات التي كانت تضيع وقتها وتعيق إنتاجها.
وبناء على ذلك اشتكت للأسد ولفتت انتباهه للمشكلة، حينها قرر الأسد تغيير آلية العمل في أقسام الإشراف، فقام بتعيين الجرادة لخبرتها في التطوير الإداري.
طلبت الجرادة مكانا مريحا تمارس فيه عملها، وتم تجهيز المكان المطلوب بكل ما طلبته الجرادة، ولعلها قالت إن عمل النملة دقيق وتطويره يحتاج لجهود فعينت لها مساعداً شخصياً.
استمر عمل النملة كما هو، ولكن الأسد لاحظ أن العمل أصبح يكلف كثيرا، وأن النفقات والأجور تضخمت جدا، ووجد أنه من الضروري تقليص النفقات.
قام الأسد بتعيين البومة مستشاراً، وبعد دراسة لمدة ثلاثة أشهر رفعت البومة تقريرها وأوصت بتقليص العمالة الزائدة التي يعاني منها القسم، فقام الأسد بفصل النملة!
أعذروني على الإطالة في سرد القصة، ولكني - وأنتم أيضا – لمستم العبرة في القصة ولعلها رسمت على شفاهكم – مثلي- ابتسامة ساخرة ممزوجة بحسرة على النملة وأمثالها.
مع كل كلمة من هذه القصة، مع أني اختصرتها، كانت جزئية من قصة شركة طيران الخليج تتمثل أمام ناظري، وتتطابق بشكل أو بآخر مع تفصيل من تفاصيلها.
النملة هم موظفو طيران الخليج الذين كانوا يعملون بكل جد، فيما تهدر مقدرات الشركة على الصرصور والعنكبوت والذبابة والجرادة والبومة، إضافة طبعا (لنصيب الأسد).
استغرب كل عاقل مطلع ولو على شيء يسير من تفاصيل الفساد والهدر والمحسوبية والانحراف حين قررت الشركة اختزال تقليص النفقات في بعض التدابير الصورية ومنها فصل الموظفين البحرينيين عن طريق إقناعهم بالتقاعد الاختياري!
كم تمثل يا ترى أجور الموظفين نسبة لباقي أبواب تشغيل شركة طيران الخليج؟ وكم تمثل نسب الفساد والتخبط وسوء الإدارة والقرارات المدمرة في السابق والحاضر!
الأغرب من ذلك هو حين يوضع مصير ومستقبل الموظفين المواطنين كورقة ضغط تستخدمها إدارة الشركة ومن خلفها ممتلكات وأصحاب القرار للضغط على البرلمان لضخ المزيد من التمويل.
مع ذلك، فإن الجهد الذي قام به النواب والنقابات والموظفون مع الصحافة والإعلام وتجاوب المسؤولين قد جاء بنتيجة فتم وقف برنامج التسريح وتحسين مزاياه وجعله اختياريا.
قصة النملة المجتهدة لا تقتصر على طيران الخليج وإنما تتعداها لتشمل مجالات كثيرة، وهي قصة تتكرر كل يوم بنسبة مختلفة وصورة مغايرة، ولكن في الغالب تكون النملة المجتهدة والشريفة هي الخاسرة، ملف الأراضي وملف الإسكان، ممتلكات، ملف الرواتب، تحسين المعيشة، المشروع الإصلاحي، البيوت الآيلة للسقوط (عد واغلط) كما يقولون في المثل الشعبي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .