لم يبهرني التاريخ العربي، ولم يكن في يوم من الأيام إلا اضحوكة يحاول بها العرب لملمة فشلهم امام التقدم الحضاري الملاصق لهم. كنا نضحك في حصة التاريخ وننام في حصة الجغرافيا، كان الحاضر وقتئذ هو ما يشغلنا والمستقبل كان مرادنا. وعين على الدنيا تحت زخم المطالبة بالحرية وطرد الاستعمار. شاركنا في نهاية ستينات القرن المنصرم في المسيرات والمظاهرات المطالبة بخروج المستعمر وكانت جميلة بوحريد وثورة الجزائر قنديلنا ومحركنا، كانت الأفلام المصرية تعج بالوطنية ومجد الانسان العربي وقمة هذا المجد تحرير الأراضي المقدسة، فلسطين الذاكرة والقلب، كل هذا الشحن المحبب في وقته جعلنا ننسى ماضي اجدادنا المجيد لأننا كنا نصنع المستقبل.
اليوم وبعد أكثر من نصف قرن والعمر بدأ يتسرب أعود لأقرأ تاريخنا فيصيبني الكمد فماذا فعلت الاجيال قبلنا وما تفعل الأجيال الحاضرة. لقد سلمنا الأجداد أرضا عربية من المحيط الى الخليج تعج بالثروات وعبق التاريخ العربي المجيد الذي كنا نهزأ به فلا نرى اليوم غيره، وكنا نتطلع للمستقبل فماذا فعلنا لهذا المستقبل الذي نعيشه اليوم غير تفتيت العالم العربي الى اجزاء تحارب بعضها بعضا، فأصبح الأخ يقتل أخاه وعوضا عن تحرير الأرض والهروب للمستقبل استطعنا ان نهرب للخلف لنبرر ارهابنا وتخلينا عن اخلاقياتنا وأصبح الدين مطية يركبها الجميع للوصول لهدفه وغير عابئ بوطن أو أمة كانت ذات يوم خير أمة اخرجت للناس.
اليوم لم تعد هناك ضحكة او حتى ابتسامة بل مسحة حزن وحب لتاريخ عربي كان ذات وقت منار الهدى لحضارة اوروبية عملاقة نراها اليوم وعوضا عن ان نحاول التعلق بما نستطيع بها لنحلق من جديد نرى اننا عوضا عن ذلك نتخلى اكثر وأكثر عن كل تاريخنا وأرضنا وتراثنا وأجدادنا لنهرب اليها من جحيم حاضرنا الذي صنعته أيدينا.
لقد كان خالد بن الوليد وفتوحاته مجرد كلمات في ورق الكتابة وفتح عمر بن الخطاب لبيت المقدس وحكمة علي بن أبي طالب القرآن الناطق مجرد كلمات تعبر مع الريح، ووقوف طارق بن زياد بين العدو والبحر خرافة من خرافات العرب وتفوق ابن سيناء في الطب ومعجزة الفيزياء ابن الهيثم وفلسفة ابن رشد وووو نشتاق لها اليوم ونعليها ولم تعد مجرد ذكريات او قصص تسطر في كتب التاريخ بل اصبحت اليوم سفينة النجاة لشعب عربي، أصبحت العروبة والتاريخ لا تعني له ولا ترتبط به فقد اتخذ طريق الهروب حلا لكل مشاكله وأصبح يتغنى ويتفنن في التخلي عن وطنه الصغير والكبير حتى أصبح الشعب العربي اليوم شعبا يعيش الأجانب في ارضه ويتمتعون بثرواته وهو هناك غريب في ارض بعيدة يحاول جاهدا ان ينتمي لأرض جديدة وتاريخ جديد بعد هجرة مضنية.
كيف استطاع ابناء عمر بن المختار وأبناء عبدالقادر الجزائري وأبناء عبدالناصر الذين حاربوا من اجل مجد الوطن وإعلاء كلمته من اجل حب الأرض وحب الإنسان الذي عليها من اجل تاريخ يحملونه على اكتافهم يفاخرون بمجده ويحاولون ان يضيفوا اليه، ان يسلبوا عزه وثراءه.
أما جيل الحاضر فهو فعلا قد خلق مساحة هائلة من البعد عن تاريخه وعن حبه لأرضه أو لإنسان هذه الأرض وتخلوا عن دين لطالما ناضلت أمم للقضاء عليه، فلم تفلح ليقوموا هم بسكين وسيف وشعر أشعث وعقل إرهابي بامتياز بالقضاء عليه وتحويله لدين مشوه يحمل بصمات إرهابهم وشراستهم.
لم يعد لمفهوم الوطن معنى في قاموسهم فكيف سنطالبهم بالمواطنة، لم يعد للعدالة حيز في عقولهم فكيف سيعملون على تطبيقها، لقد هلكنا يوم هلك الثور الأبيض فهل من معين.