لا تصدق كاهنا ولا عرَّافا. هكذا جاء في الحديث.
لا تصدق سياسيا ولو صدق فشيمتهم الكذب مثل الجان.
هكذا جاء في الأثر عن الجن؛ يصدقون في واحدة ويكذبون في مائة، حين يسترقون السمع وأكثرهم كاذبون.
ولا تصدق شاعرا فأعذب الشعر أكذبه!
هل سمعت ذلك الصحراوي الذي يزعم في شعره أن سفنه ملأت المحيط وأن الجبابرة يخرون للرضع منهم ساجدين؟
من صدق كاهنا أو عرافا أو ساحرا فقد كفر بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ومن صدق سياسيا فلا يلومن إلا نفسه.
إن كان ولا بد فليقلب الخبر. مثلا لافروف يقول إنه لا يسلح سوريا. إذن هو يسلح! المالكي يقول نفتش الطائرات الإيرانية للتأكد من خلوها من الأسلحة: إذن هو يشحنها بمزيد من السلاح والذخائر. وهكذا...
إنها نكتة ولكن لا تضحك أحد.
هذه المقدمة ينفع فيها القصة التالية عن الصياد والقبرة؟
تزعم القصة أن صياداً أمسك بقبرة في الغابة فخاطبته قائلةً: هل لك بثلاث نصائح هن خير لك من لحمي، وأنا العصفورة الصغيرة، لا أسمن ولا أغني من جوع!
فكّر الصياد قليلاً ووافق وقال: هات النصائح.
قالت: نصائحي لا تعط إلا بشروط؛ فأما النصيحة الأولى فتأخذها وأنا في يدك، وأما الثانية فأقولها وأنا على غصن الشجرة، وأما الثالثة فأنطقها عندما أحلق في الجو!
فكر الصياد مرة ثانية ووافق، وقال هات الأولى؟
قالت: لا تصدق كل ما يقال.
ابتسم وقال معقباً إنها حقيقة. ثم طلب الثانية؟
قالت: هل نسيت ما وعدت! أطلقني حتى أحط على الأفنان؛ فأتكلم براحة بدون قلق وأحزان !
حك الصياد رأسه متعجباً من سرعة نسيانه، ثم بسط يده من إطباق فطارت القبرة حتى وقفت على غصن شجرة قريبة، ثم اعتدلت في جلستها واستقبلت الصياد بضحكة مدوية؟
انجفل الصياد وقال لها ويلك ما الذي يضحكك؟ أفي الأمر مكيدة؟
قالت: أيها الأحمق المأفون لو ذبحتني لأولمت علي لحمي كل أقرانك الصيادين إلى حفلة شواء عامرة؛ فما أعظمك من صياد خائب!
عض الصياد على أسنانه نادماً ثم ابتلع لعابه، وقال: قد حصل ما حصل فهات النصيحة الثانية؟
ردت القبرة: أيها الأخرق كيف أعطيك النصيحة الثانية وها قد نسيت الأولى؟
ارتج الصياد وقال كيف؟
قالت القبرة: يبدو عليكم معشر البشر أن طينتكم جبلت من عجلة ونسيان وتهور وقلة عقل! ألم أقل لك قبل لحظات لا تصدق كل ما يقال؟ ويبدو أنكم لا تنظرون في الكلام بعين النقد، فكيف تصدق أنك ستعمل من لحمي عشاء فاخراً لرهط من الناس، وأنا ولحمي وعظمي وريشي لا أزن أكثر من غرامات قليلة!
عض الصياد هذه المرة على شفتيه محنقاً أكثر من الأولى؛ فقد نسي النصيحة الأولى؛ فصدق خرافة كبيرة، ولم يعقب على الكلام بنقد وتأمل، فأضاع القبرة والنصائح الثلاث قبل سماع بقيتها في وقت قصير؛ فما أشد حماقة الإنسان.
ومغزى هذه القصة أن الناس تصدق كل ما يأتي في الجرائد والمجلات، وقابلة أن تنخر فيها الإشاعات بأشد من سريان النار في غابة جافة في يوم ريح شديدة في صيف قائظ. والعرب قوم يتعلمون بالمشافهة واقتناء الكتاب ضعيف والأمية متفشية.
وحسب قانون ابن خلدون في استقبال الأخبار أن لا يعتمد الطرق النقلية، بل وضع قانونا من ستة أضلاع يعتمد مقارنة الواقعة بالعادة وطبائع السياسة والعمران واجتماع الناس؛ أي القوانين الاجتماعية، ومقارنة الذاهب بالحاضر، والغائب بالشاهد، وحين يقرأ الإنسان نصا يجب أن يستوعب ما قاله صاحبه، ليس بما عنده من خلفية ثقافية فقط، بل بإضافة علم جديد فلا يكرر ما عنده، بل بزيادة ما عنده.
“وقليل من عبادي الشكور”. “ولئن شكرتم لأزيدنكم”؛ فمن هنا تأتي الزيادة وفوق كل ذي علم عليم.
وفي الواقع إن مهمتنا ونحن نكتب أن نقوم بوظيفتين:
ـ الأولى: تقديم مادة شهية طازجة للعقل تعطيه حقنة التوازن اليومية، وأعني بالتوازن احتواء الوجبة على تنوع في المعلومات، فكما احتاج الجسم للغذاء الصحي، كذلك احتاج الدماغ إلى بروتينه الخاص من المعلومات، بالإضافة إلى الأملاح والفيتامينات، ونقص أي عنصر يقود إلى مرض يتفاوت الشدة.
نقص الحديد مثلا وحاجة الجسم إليه جدا قليلة، وكل الحديد (Fe) في الجسم لا يزيد عن وزن مسمار، ولكن كل خضاب الدم وبناء الكريات الحمر يأتي منه؛ فهو الدعامة المسلحة لبناء الهيموغلوبين.
ويعرف البحارة جيدا نقص فيتامين سي (Vitamin C) من مرض الإسقربوط وتقرح اللثة وتساقط الأسنان.
وكذلك وجب أن تكون الكتابات. والمقالات التي تروج هذه الأيام هي من أنواع سمية، فإما هاجموا حاكما أو نظاما، والشعوب وحكامها مثل الجسد والقميص، وعدم الانتباه لهذا القانون يوقع الخلل في فهم الأحداث. وعندما تنضج الشعوب تنضج معها قياداتها. ومن أنواع المقالات السمية تلك التي تبغي الشهرة من خلال التعرض لشخصيات مركزية في التاريخ، ومنه لمع سلمان رشدي وأضرابه وهم يظنون أنهم يخدمون الفكر. وهم لم يتقدموا في حل المشاكل إلا بعدا عن الحل.
ـ والثانية وهي أهم تدريب العقل أن يكون نقديا؛ فيتحول إلى فلتر جيد للأخبار؛ فلا يصدق كل ما يقال، ويصدق أحياناً ما يقال؛ فعلينا إذن أن ندرب آذاننا على السماع، وعقولنا على المحاكمة، أو بتعبير القرآن (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية) ولكن هيهات هيهات لما توعدون.