أرسل لي قارئ تشادي يتعلم الصحافة في مصر، مقالة لكاتب مرموق وهو ينتف شعره، ويندب حظه وحظ العرب، وربما كان الكاتب مصريا، وهو ليس استثناء في الثقافة العربية، يتكلم عن عيوب العرب، بعنوان عجائب العرب العشرة، مثل الأمية ونقمة البترول والحروب الأهلية وكتم الحريات و.. و.. و.
وما يأتيني من هذا الكلام السيئ المريض يشكل سيلا هذه الأيام، ونحن في الطب ننظر إلى المريض المصاب بحمى وهو يهذي بشفقة، فنعطيه خافض الحرارة والصاد الحيوي؛ فلا نشتم ولا نلعن بل نعتبر أن الحالة مثيرة؛ هل هي ملاريا؟ أو حمى تيفية؟ أو التهاب سحايا دماغي؟ ما يعرف في الطب بالتشخيص التفريقي (Differential Diagnosis). وأحيانا نصور بعض الحالات الصعبة متعة وآية للمتوسمين، فهذا هو الفرق بين الطبيب الذي يعالج بعلم، والجاهل الذي يندب ويصيح ويصرخ. وكتاب العالم العربي الذين تنتشر كتاباتهم هذه الأيام ويتناقلها المحبطون، فتزيدهم كآبة وإحباطا، ولا تتقدم بالحل إلاّ تعقيدا، هي من هذه العيون والبرك الآسنة المليئة بالجراثيم.
وقبل يومين أرسل لي مثقف كردي من باريس مقالة من هذه المقالات المريضة بعنوان العاجزون، ثم نزل شتما بالعرب أن عقولهم عقول الجمال، وتصرفهم تصرف البغال، وأن جيناتهم قاصرة، وأدمغتهم ضامرة، وخلال سبع قرون لم يتقدموا بشيء للبشرية إلا إنتاج بن لادن؟
وبغض النظر عن الرائحة العنصرية البغيضة في المقالة، فإن هذا التشخيص كما أرسلت للأخ الكردي الذي يشترك مع العربي والتركماني والإيراني بنفس المرض، عالجه (مالك بن نبي) المفكر الجزائري بطريقة مختلفة، في كتبه سلسلة مشاكل الحضارة.
والعرب سيخرجون من محنتهم كما حصل لكل شعوب الأرض، ولا يحل السباب المشكلة، ولا البكاء يذهب بالعلة بل الدواء والحمية.
وكتاب العرب الحاليين لا يختلفون عن الجهلة في صعيد مصر، أو أناضول تركيا، أو ريف بادية دمشق، في علاجهم لالتهاب الكبد في شيء، كما فعل أطباء صلاح الدين الأيوبي حينما أصابه الصفار فعالجوه بالفصادة، والطب يعالجه بالعكس بإعطائه المحاليل الوريدية ثم يشخص الحالة هل هي التهاب مرارة حاد؟ أو انسداد في الطرق المرارية؟ أو التهاب كبد وبائي؟ أو سرطان في رأس البنكرياس!
ولأن صلاح الدين مات بسرعة فهو أحد أمرين: إما موت بيد الأطباء الجهلة؟ أو التهاب حاد علاجه سهل هذه الأيام في الغالب. وكتابنا كما أرسل لي القارئ التشادي هم في مستوى أطباء صلاح الدين، وعلمهم لا يخرج عن أربع: فصادة وجرعة عسل ومحقنة شرج وحجامة بالكاسات.
لقد كان باستور ينظر إلى المصابين بعضاض الكلاب المسعورة فيدرس ويركب اللقاح، ولا يبكي على المرضى، ولكن كتابنا الأشاوس يبكون مثل جهلة القرن الخامس عشر، الذين كانوا يعالجون السعال الديكي بلبن الحمير، والزهري بجلد الظهر في البرية، وتفقد مزاج المريخ؟ وهذا الشاب التشادي الذي أرسل لي مقالة الفهيم وهو يتحدث عن أمراض العرب العشرة أغاظني، ولكن تمالكت نفسي لأنه يذكرني بالمرضى الذين نعالجهم في المشافي وذويهم، مما يذكرني بنكتة جرت بين طبيب ومريض.
قال المريض: دكتور هل مرضي خطير؟ هل هناك أمل في الشفاء؟ قال له: لا تخف مرضك ليس خطيرا وأملك في الحياة كبير ولكن لا أنصحك أن تعيش؟؟
وهؤلاء الكتاب الذين يفرزون سمومهم الفكرية فيقتلون الأمل، هم من هذا الطراز من الأطباء الجهلة الذين ينقصهم التأهيل، وهم أقرب للمشعوذين من الأطباء النطاسيين، ولكن الجرائد تتخاطف مثل هذه المقالات السيئة، بدون رد عليها من الناضجين، وتنتشر أمثال هذه الشعوذات كل يوم، ويغذى مثل هذا العلف جمهورا واسعاً، ويمشي بأشد من اللهب في غابة جافة في يوم صيف قائظ مع ريح مجنونة.
إن عصر العرب اليوم عصر الجنون والعرب في مصحة أمراض عقلية يشرف عليها جهلة يعالجون الجنون بالجلد والسلاسل والحبس، كما كان حال معالجة الجنون في أوربا في العصور الوسطى قبل اعتباره مرضا نفسيا قابل للعلاج؛ ولذا وجب بناء مشافي للعلاج، وتقديم الإسعافات الضرورية، وهو ما أحاوله في بناء أكاديمية للعلم والسلم لشفاء الأمراض الفكرية الجائحة والمتوطنة الحادة والمزمنة.
إن صاحبي التشادي الذي يقرأ لي باستمرار كأنه لم يستفد مني جملة وهو وكاتبه يشبهان فلاحو الصعيد.
قلت له في الجواب: إنك وصاحبك الكاتب يشبه من يتتلمذ على كتب الملا نصر الدين وسأشد رأسي بعصبية إن كنت لم تسمع بالملا التركي أيام قراقوش، والأصحاء لا يحتاجون لطبيب، والمرضى هم المحتاجون، هكذا جاء في الإنجيل وأنت وصاحبك تحملان مراثي أرمياء مثل أي جهلة في الريف، وكان الناس عندنا في القامشلي حيث نشأت إذا رأوا من معه أبو صفار (اليرقان) عرفوا أنه مريض والطبيب يعرف ذلك، وكانوا يقولون عن سبب صفار العينين والجلد أنه بفعل خوف شديد تعرض له المريض، ومعالجته يجب أن تتم بتخويفه بجرعة أكبر، فكانوا يأتون للمريض المنهك بالأصل فيقولون له هل سمعت الخبر الجديد: فيسأل وهل مصيبة أكبر من مرضي؟ فيقولون له قبل قليل احترق بيتك وماتت زوجتك وهلك أولادك ولم يبق من البيت سوى حطب أسود؟ فينهض الرجل نصف ميت ويركض مثل المجنون ليكتشف النكتة البايخة؟
وأذكر من طفولتي يوم شتاء أن رجلا وقع على الأرض وبدأ في الارتجاج، وطفح الزبد على فمه، وغرق سرواله بالبول، وغاب عن الوعي وأطرافه تنفض كأنما لمسه جني؟ وكانت مفاجأة لي فلم أر من قبل حالة مصروع في النوبة، فهرع رجلا وبيده سكين فخفت من الذبح؟ فاقترب من المصروع ووضع السكينة بجنب رأسه، وقال: لمن حوله الصرع علاجه سكين بجنب الرأس؟
ومن أقاربي أعرف شابا أصيب بالصرع ولكنه يعالج بمادة الايبانوتين (Epanutin) منذ ربع قرن بدون نوبة صرع واحدة، أو تأثيرات جانبية، فهذا هو الفرق بين سكينة الجاهلين والطب الحديث، وبين كتابنا الجهلة وبين العلم الحديث، ولا أظن أن صاحبي سوف يفهم علي هذا الكلام، فأمثاله بينهم وبين العلم مسافة سنة ضوئية؟