العدد 1594
الأحد 24 فبراير 2013
ربيع الثقافة للنخبة أم للجمهور؟ محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الأحد 24 فبراير 2013

للعام الثامن على التوالي تقيم وزارة الثقافة في البحرين المهرجان السنوي تحت مسمى ربيع الثقافة. بيد أنّ المتأمل لبرنامج هذا العام لا يكاد يلمس اي فارق جوهري ولا اختلاف نوعي يميزه عن الاعوام السالفة . الأنشطة التي اعلنتها وزيرة الثقافة توزعت بين الفنون المنوعة من مسرح وموسيقى وغناء ومعارض فنية ..الخ . ومن الاسماء المشاركة الرباعي الاوبرالي ال ديفو وعازف البيانو اليوناني ياني والمغني العالمي شارل ازنافور اضافة الى فرق موسيقية عالمية ومطربين ومطربات عرب  .
انّ مصدر صدمتنا هنا انّ البرنامج الثقافي قد اختزل الثقافة في الفنون السالفة وحدها بينما غاب عن اذهان القائمين على إعداد البرنامج الأنشطة الثقافية الأخرى كتنمية القراءة بين فئات الشباب تحديداً. وهي  الملاحظة التي كنّا قد اشرنا اليها في العام الفائت لكن يبدو انها لم تلق استجابة ولا حتى التفاتة تذكر .انّ اختزال الثقافة في هذه البرامج وحدها يمثل في وجهة نظرنا سقطة ما كان يجب أن يقع فيها الأخوة المنظمون لاحتفالات وزارة الثقافة .
اننا بلا شك نقدر الجهود التي يبذلها قطاع الثقافة فهي موضع إعجابنا وتقديرنا لكن الملاحظ هو خلّو ربيع الثقافة من اي برنامج ثقافي حقيقي إلا اذا كانت المعايير المتبعة تختلف عن ما هو مستقر للأغلبية. وكأنها موجهة لجمهور محدد بما تعارف عليه بالنخب الفكرية وحدها . وهنا يجب ان نؤكد انه لا اعتراض لدينا على ان تكون لهذه الفئة ما يلبيّ رغباتها وميولها لكن هناك فئة اكبر من الجمهور المتلقيّ لديهم ميولهم ورغباتهم التي قد لا تتطابق بالضرورة مع النخب وهو ما كان يجب اخذه بعين الاعتبار . والقول بأنّ الحفلات الغنائية هي موجهة لهذه الفئة مغالطة لا تغتفر .
الذّي يدعونا الى وضع برامج ثقافية للأغلبية من الجمهور هو ما تشهده الساحة الثقافية من حالة جزر ثقافيّ مريع . وإصرار وزارة الثقافة على مدى الاعوام الماضية على هذا النمط وحده هو تهميش للثقافة الحقيقية والمتمثلة في الندوات الثقافية والفكرية والتشجيع على القراءة بوصفها القناة للثقافة الجادة . ولا نجد للوزارة اي مبّرر لتغييب مثل هذه الانشطة .
وبالمناسبة فإننا نوّد هنا أن نلفت انظار قطاع الثقافة الى تجربة ثقافية حققت نجاحات منقطعة النظير في بلدان عربيّة وغربية عديدة كانت تحت عنوان “ الثقافة للجميع “ ونحن متأكدون أنّها ليست غائبة عن أذهانهم . ملّخص الفكرة اقامة فعاليات ثقافية مجانية في اكبر الحدائق والمجمعات لنشر الثقافة والفنون بين فئات الشعب بدعم وتمويل من الدولة دون قيود .امّا على المستوى العربيّ فإنّ التجربة اثمرت عن نتائج مدهشة في مصر على سبيل المثال وعلى مدى اعوام طويلة . المثقفون هناك لجأوا  الى اعادة طباعة عصارة الفكر المصري والعربيّ في طبعات شعبية وبأسعار رمزية لتكون في متناول الفئات محدودة الدخل وأمكنهم بهذه الوسيلة الذكية من تحقيق المعادلة الصعبة وهي توفير الكتاب ونشره على اوسع نطاق بين الشعب . والسؤال الذي نوجهه لوزارة الثقافة ما الذي يمنع من تطبيق التجربة لدينا ؟ أليست الشكوى تتكرر من انّ الجمهور قد انصرف عن القراءة ؟ إننا نجزم انّه لو قدّر للفكرة ان تطبق فإنها ستحقق ما حققته في البلدان العربية الاخرى .
أتذّكر أنّ وزارة الثقافة كانت قد ابتكرت فكرة التبّرع بالكتاب . ولعل البعض منّا لاحظ الصناديق الزجاجية الفارغة تقريباً في بعض المجمعات . وبصراحة فإنها لم تحقق ما كان يتطلع اليه المسؤولون عنها لأسباب لم  تعد خافية عليهم . لكنّ الفكرة ذاتها كان قد طبقها أحد الاندية هو نادي سار الثقافيّ قبل سنوات وكانت نتائجها ساحقة ، بل فاقت التصّور. 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .