العدد 1593
السبت 23 فبراير 2013
ربيع الدّم العربيّ محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
السبت 23 فبراير 2013

دمشق مدينة معتقة بالتاريخ من قمّة رأسها الى اخمص قدميها. منها انطلقت جيوش الفتح الى اقطار المعمورة وتتلمذ على يديها الكثير من الكتّاب والعلماء والفقهاء وهي الرائدة على كافة الاصعدة. وهي كما وصفها شاعرها نزار قبّاني بأنّ صناعة دمشق الاساسية هي العروبة. وكما تصنع كوبا السيجار الفاخر وكما تنتج مصر القطن الطويل التيلة والاتحاد السوفييتي الفراء والكافيار فإنّ المادة الرئيسية في جدول الصادرات السورية هي القومية العربية.
لكنّ السؤال هنا ما الذي بقى من هذه المدينة الحزينة بعد عامين من الحرب الاهلية وبين ابناء الوطن الواحد؟ بعد عامين من المذابح الهمجية فإننا نستطيع ان نقرّر انّ الانسان السوري البسيط هو الضحية أما المتصارعين على السلطة فلا يبدو انّ الدم السوري يعنيهم ابداً وكأنّ الدم تحول في نظرهم الى ماء. عامان والمدينة الحزينة تدفع الاثمان باهظة من الدماء ولا يبدو انّ المتقاتلين يهمهم الامر وإلاّ لكانوا احتكموا الى منطق العقل.
انّ القتلى الذين يتساقطون في حلب وحمص ودمشق وريفها وكافة المدن السورية والحرائق التي تشتعل في المصانع والعمارات التي تتساقط على رؤوس ساكنيها في احياء المدن بفعل آلة الحرب الجهنمية والضحايا الذّين يتساقطون بالعشرات وبشكل يومي لا يبدو انه فعل يومي بل هو اشبه بالفيلم السينمائيّ.
الذين شاهدوا دمشق خاصة في الأيام الاخيرة وبعد أن تساقطت عليها الصواريخ كالأمطار لاشك قد تداعت الى ذاكرتهم صورة مدينة ستالينغراد الروسية ابّان الحرب العالمية الثانية. ثمة تشابه كبير يبلغ حد التطابق بين المدينتين فالذين احرقوا ودمروا ستالينغراد في اربعينات القرن الماضي كانوا ينتمون الى العرق النازي والفاشست. اي لم يكن يعنيهم لا البشر ولا الحجر ولذا عمدوا الى ابادة المدينة عن بكرة ابيها. وما يفعله برابرة العصر الحديث لا يختلف كثيرا عن برابرة الامس.
وكما حوّل نازيو الامس شوارع ومدارس ستالينغراد الى هياكل محطمة من البنايات وأطفالها الى كتل من اللحم المتفحم فإنّ فاشستيي هذه الايام يقترفون الآثام والجرائم ذاتها. والمصيبة الاعظم انّ الطرفين يعتقدان انّهما على الطريق الصحيح والآخر لابدّ من ابادته. وكلا الفريقين على قناعة بأنه المنتصر وأصبحت اشارات النصر تلوح في الافق. لكنّ الذي يعرفه الجميع انه ليس من نصر يكون ضحيته الانسان.
انّ اكثر المناظر بشاعة في الحرب السورية القذرة هم الاطفال. ولا اتذكر انّ هناك حربا على امتداد التاريخ كان الضحايا والقرابين فيها هم الاطفال. أنّهم يخرجون الينا من نشرات الاخبار في الفضائيات وصفحات الجرائد مضرجين بدمائهم الزكية وقد يبست اوراقهم الخضراء وتحولوا الى عيدان جافة. والأكثر بشاعة أنّ الامهات يموتون امام اطفالهنّ بالعشرات بل المئات.
يقول الرئيس التنفيذي للمنظمة الخيرية البريطانية لإنقاذ الاطفال جوستين فورسيث انّ الجرائم التي ترتكب بحق الاطفال لا يجب ان تمر دون عقاب وانّ القوات السورية يعذبون الاطفال ويتركونهم بلا طعام ولا ماء حتى الموت. ويضيف انه يلتقي الاطفال المشردين واللاجئين خارج بلادهم بالمخيمات بالأردن ويستمع اليهم. والأدهى انّ لهؤلاء الاطفال قصصا تدمى القلوب وتبعث على الصدمة.
من بين تلك القصص المؤلمة ما رواه الطفل السوري اللاجئ الى الاردن واسمه وليد من تعرض بيت جده الى القصف الصاروخي ومشاهدته جثثا محترقة وأطرافاً من القتلى متناثرة وأصابع مقطوعة تحت الانقاض وغيرها مما يستعصي على الوصف.
المفارقة الصارخة انّه في الوقت الذي يتعرض فيه الانسان السوري من نسوة وأطفال الى القتل والإبادة البشعة فإنّ الاشقاء العرب يكتفون بإرسال المعونات الشحيحة بينما لا يسجل لهم أي تحرك جدي لوقف حمامات الدّم اليومية في كافة ارجاء المدن السورية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .