العدد 2224
الأحد 16 نوفمبر 2014
قراءة أخرى عن الرقابة الدولية حسن محمودي
حسن محمودي
الأحد 16 نوفمبر 2014

جاء في ميثاق الأمم المتحدة أن “متابعة قضايا حقوق الإنسان السبب الرئيس لتأسيس منظمة الأمم المتحدة. فإن الحرب العالمية الثانية والقضايا المرتبطة بالإبادة تسببتا في الحصول على إجماع عالمي بشأن ايجاد منظمة جديدة تمنع حدوث مآس متشابهة في المستقبل والهدف الأولي منها كان وضع إطار قانوني للدراسة والتحقيق والعمل اللائق على أساس الشكاوى بشأن الانتهاك لحقوق الإنسان”.
في الساعة الثامنة والنصف صباح يوم 9 نوفمبر، تهب رياح صحراوية باردة جافة من جهة الشمال، في ليبرتي، مخيم اللاجئين الإيرانيين المعارضين للنظام الإيراني، الواقع على مقربة مطار بغداد الدولي، وتهز يديّ اللتين تحملان إحداهما دفتري والأخرى آلة تصوير. طرق المخيم باتت مشقوقة ممزقة والمشي عليها يعيد إلى ذاكرتي الطرق الترابية المؤدية بين القرى في إيران قبل 50 عاما. غيوم السماء تثير القلق عندي وأقول في نفسي أتمنى ألا تغمر مياه الأمطار الغزيرة مرة أخرى، أراضي المخيم مثلما حدث قبل سنة، وأذكر دعاء عظم البلاء “اِلهى عَظُمَ الْبَلاَّءُ وَبَرِحَ الْخَفاَّءُ وَانْكَشَفَ الْغِطاَّءُ وَانْقَطَعَ الرَّجاَّءُ وَضاقَتِ الاْرْضُ وَمُنِعَتِ السَّماَّءُ واَنْتَ الْمُسْتَعانُ وَإلَيْكَ”.
لما كنت سائرا في أفكاري اصطاد انتباهي تجمعا احتجاجيا لمرضى من البعيد. هؤلاء المرضى من سكان ليبرتي ويظلون يقاومون المرض ولا يفقدون الأمل رغم المشاكل التي يتعرضون إليها. بمشاهدتهم من البعيد تتعالى معنوياتي وأتوجه إليهم وأرى لافتات بيدهم مكتوب عليها “الحصار الطبي على مخيم ليبرتي جريمة ضد البشرية”. لقد حرموا من الحصول على العناية والخدمات بفعل الحصار الطبي والدوائي وصلت حالاتهم المرضية إلى نقاط لا عودة فيحملون لافتات بأيديهم احتجاجا على هذا الحصار، ويطالبون يونامي ومراقبيها برفع الضغوط الممارسة على مرضى ليبرتي وأن يوفر لهم الحصول على الخدمات الطبية.
أحد المشاركين في هذا التجمع الاحتجاجي كان يعجز عن الوقوف على رجليه من شدة المرض وبفعل تعرضه لانتهاكات لأبسط حقوقه الإنسانية في مجال العلاج، يقول لي “جئت هنا اليوم آملا إيصال صوتي إلى ممثل الأمم المتحدة لكن كما لاحظت أن سياراتهم لم تتوقف عندنا ولو لحظة ليستمعوا إلى كلامنا”.
لما كنت أتكلم مع عدد من المرضى دخلت سيارات يونامي إلى المخيم ومروا أمام المرضى بدم بارد ومن دون أي اهتمام وذلك في حين أنهم لاحظوا أن المحتجين يخاطبونهم بمكتوباتهم وكانوا يريدون منهم تحركا من أجل علاج مصابهم لكن كل ذلك لم يجعلهم يتوقفوا حتى لحظة واحدة.
استغربت كثيرا وكنت أتساءل ما الدافع من اللامبالاة ومن هذا الصمت والتقاعس، خدمة لوقوع مأساة إنسانية وما المعنى منه؟ أهي قراءة أخرى من الرقابة الدولية؟ جاء في المادة 101 من الفقرة الثالثة من الفصل الـ15 للأمانة العامة لميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن “ما يهم أكثر من أي شيء آخر في تعيين ظروف خدمة موظفي الأمم المتحدة توفير الحد الأعلى من الفاعلية والكفاءة والتأهل والصواب”. أفعلا ذاك التأهل والصواب؟ أم الالتزام بميثاق الأمم المتحدة للحد من حدوث مآس إنسانية مشابهة!!
قال لي مريض آخر إن القوات العراقية تمنعني من الذهاب إلى المشفى لأخذ العلاج وذلك بالتذرع بحجج كثيرة، فهي ألغت مواعيدي مع أطباء اختصاصيين ثلاث مرات لحد الآن، فيما الطبيب العراقي في المخيم كان قد أكد لي وجوب ذهابي إلى مستشفى بغداد وكل مرة يُلغى موعدي مع الطبيب، أستغرق أسبوعين آخرين ليأتي دوري مرة أخرى وخلال هذه الفترة يتقدم المرض ويتفشى في الجسم، في حين إن حرمان المرضى المصابين بأمراض مستعصية وتتعرض حياتهم لخطر محدق في كل لحظة، يُعتبر جريمة ضد البشرية. وتُقترف هكذا جرائم فظيعة بأهداف سياسية بحتة، من قبل قوات أمن عراقية موالية للنظام الإيراني في مخيم ليبرتي المثير للاستغراب على مقربة مطار بغداد الدولي وتحت إشراف الأمم المتحدة.
وتقول لي سيدة مشاركة في هذا الاحتجاج “أنتظر عملية جراحة العين لمدة سنة ونصف ورغم أنني استلمت إحالة الطبيب العراقي للمخيم والذي يؤكد أنني بحاجة ماسة إلى جراحة العين بيد أن القوات العراقية منعتني من الذهاب إلى المستشفى أربع مرات بالتذرع بذرائع مختلفة مما أدى إلى ضياع المواعيد كلها مع الطبيب والآن يكف بصري”، وتختم كلامها بقول “من المسؤول؟”.
عيسى أحد جرحى الهجوم الصاروخي على مخيم ليبرتي بتاريخ 9 فبراير 2013، والذي فقد إحدى عينيه في هذا الهجوم، هو الآخر يقول إنه تم إلغاء مواعيدي العلاجية من قبل القوات العراقية 6 مرات بأسباب مختلفة. وفي اليوم الذي كنت على موعد مع الطبيب الاختصاصي قالت لي القوات العراقية بسهولة “اليوم ليس عندنا حركة مرور، راجع الطبيب في وقت آخر!، قلت لهم لقد فقدت إحدى عيني، اسمحوا لي على الأقل أن أكمل المراحل العلاجية لها وإلا ستتعفن”.
إن مثل هذه الأحداث تتكرر في مخيم ليبرتي كل يوم ونتساءل ألا تكفي وفاة 22 إنسانا بريئا بفعل الحصار الطبي والدوائي ممن كانت الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية قد وعدتا بتوفير الأمن لهم وضمان سلامتهم، كي تتحركان وتحركان ساكنا أم علينا أن ننتظر زهق المزيد من الأرواح؟!.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية