المدارس هي منارات علمية وتعليمية، وحرم يجب أن يُصان ضد أي اعتداء أو عنف، وبوابات يدخلها من أراد أن ينهل من نهر العِلم ليعيش حياة أفضل ويخدم بلاده مستقبلاً. هناك شعوب كثيرة تعيش حالات سياسية عنيفة وأخرى تعيش الكثير من المشاكل الحياتية لكنها لا تقترب من الحرم المدرسي ولا تمارس العنف ضده. فما هي أسباب زيادة الاعتداءات على المدارس في مملكة البحرين؟ هل المدارس ثكنات عسكرية وأمنية لكي تُهاجم؟ هل مدارسنا هي السبب في تعدد مشاكلنا؟ أم الاعتداء على المدارس سيحل لنا جميع ما يعاني منه المواطنون والبلاد من مشكلات؟ إذا كانت إجاباتنا بالنفي بأن المدارس ليست لها أية علاقة بما يحدث في الساحة السياسية البحرينية، إذا فلماذا يتم الاعتداء على المدارس؟
إن الاعتداء على المدارس سلوك غير مقبول، لا حضاريًا ولا مدنيًا ولا ديمقراطيًا ولا دينيًا، فالمدارس هي مكان للعِلم والتعلم، كلنا تعلمنا في مدارسنا الحكومية وتعلم أولادنا من بعدنا ومن بعدهم أحفادنا، فمن باب رد الجميل لهذه المدارس التي احتضنتنا أطفالاً وفتيانًا وشباباً أن نحفظها من كل اعتداء وأن نحرسها بعيوننا وقلوبنا قبل أيدينا. وتكرار الاعتداءات على المدارس يثير الكثير من المخاوف ويجب التصدي له بحزم أيًا كان الفاعل وأهدافه، فالمدارس جزء لا يتجزأ من المرافق الخدمية الإنسانية وهي ملك عام لجميع أفراد المجتمع ويجب أن لا تتعرض للاستهداف والتخريب لكونها مركز إشعاع وحضارة ومنبرًا لمواجهة الجهل والظلام والتخلف. وتنوعت المدارس التي تم الاعتداء عليها من مختلف محافظات البلاد ولكن الهدف واحد، فهم لا يفرقون بين مدرسة وأخرى ولا بين مرفق خدمي وآخر فالهدف من هذه الأعمال هو نشر الرعب والخوف بين المواطنين والمقيمين الآمنين.
هل هناك دافع معين للقيام بهذا الاعتداء؟ هل القيام به بدافع الانتقام؟ وهل يمكننا اعتباره عملا بطوليا؟ نعم.. هناك دوافع للقيام بمثل هذه الأعمال، ولن يكون بدافع الانتقام، وليس هو بالعمل البطولي. تشير آراء المختصين من الاختصاصيين التربويين ورجال الأمن إلى أن مَن يقوم بالاعتداء يتسم بالجانب العدواني نتيجة لدوافع وأسباب نفسية واجتماعية، ولا يمكن أن يكون الفاعل سويًا سليم العقل والفطرة أيًا كانت الأسباب. إن أمن المدارس جزء لا يتجزأ من أمن مملكة البحرين، وهي مسؤولية لا يتحملها فقط جهاز الأمن في البلاد، بل هي مسؤولية مجتمعية يتحملها جميع أفراد المجتمع الذين هم العين الأولى للحفاظ على المدارس من الاعتداءات خصوصا أن جميع مدارسنا تقع في عمق الأحياء السكنية التي تعج بتحرك نشط ليلاً ونهارًا.
إن مَن يُمارس هذه الممارسات يعبث باستقرار البلاد وأمنها بسبب تمتعه بالأمية السياسية وتشدقه بالديمقراطية من دون فهم حقيقي لها، ومن مبادئ الديمقراطية والنزاهة والشفافية أن نتذوق حلاوة مدارسنا التربوية وحُسن نكهتها التعليمية لا أن نتجرع مُرها، إن الحياة في بيئة مدرسية آمنة ونظيفة امتداد للحياة في المجتمع الكبير لأن الإصلاح السياسي يبدأ من المدرسة، ومن هذا المنطلق ارتأت الكثير من الدول إدراج مفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة وحرية الرأي والفكر ضمن المناهج التعليمية والأنشطة التربوية في المدارس والجامعات. وعندما يُمارس الطلاب في المدارس والجامعات الديمقراطية ويتلقون تدريبات على ممارسة احترام الرأي والرأي الآخر واحترام حقوق الإنسان لن يكون هناك مكان لمثل هذه الممارسات العدوانية تجاه المدارس ومختلف المرافق العامة الأخرى، لأنهم سيدركون معنى المواطنة وستغرس هذه المبادئ فيهم معاني الديمقراطية الرشيدة الناضجة، وسيكونون نماذج لأفضل جيل قادر على حماية بلاده وتطويرها. فهل تستطيع القيادات التعليمية والتربوية قبول هذا التحدي الذي أصبح ضرورة وذات أولوية تنموية وسياسية لمحو الأمية السياسية وسط عالم جديد يموج بأعاصير شديدة ومخيفة تحت ذريعة الديمقراطية والحقوق الإنسانية؟.