من أبجديات ما نتعلمه في الحياة أن “القوة في الاتحاد” مما يعني في الضرورة أن الضعف في التفرق والتشرذم، وقد ذم الله تعالى التفرق والتحزب في أكثر من موضع في القرآن، منها قوله تعالى: (ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون)، كما ذم الله فرعون الذي هو أسوأ أهل الأرض من البشر وأكفرهم بأن وصفه تعالى أن من مساوئه أنه حزب مصر “وجعل أهلها شيعا”، ويكفينا أن أقوى الدول الاسلامية لم تضعف الا بالتفرق الذي يحرص الغرب على استمراره في دولنا الاسلامية والعربية، ومبدأ بريطانيا الشهير الذي استعمرت به العديد من دول العالم هو “فرق تسد” مما يدل أن الفرقه دائما هي في صالح العدو المتربص.
ولأن الغرب أكبر المستفيدين من تشرذم المسلمين والعرب فان فكرة التحزب التي تطرح في دولنا دائما تطرح بدعم غربي ومن قبل أطراف مرتبطة ارتباطا تنظيميا أو فكريا بالغرب.
وللتدليل على سوء فكرة الأحزاب السياسية فيكفي أن نعلم أن أكثر من يطالب بها “بالحاح” في منطقة الخليج العربي هي جماعة الاخوان المسلمين التي تشكل بالفعل تنظيمات حزبية في كل دول الخليج بصورة غير رسمية، وتهدف جماعة “الاخوان المسلمين” عبر مطالبتها بالأحزاب بأن يكون حزبها هو الأقوى والأكثر تنظيما كونه قائم بالفعل منذ سنوات طويلة، كما تروج الجماعة بأن اقرار الأحزاب وتقنينها هو مرحلة من مراحل الوصول الى الديمقراطية الكاملة التي تنتهي بالوصول الى الحكومة المنتخبة، وهذا هو الهدف الحقيقي الرئيسي لجماعة الاخوان المسلمين أكثر وأول المطالبين باقرار الأحزاب في منطقة الخليج.
والحديث عن أطماع الاخوان المسلمين بالسلطة وأنها الهدف الرئيسي والوحيد لهم، وأن كل ما دونه انما هي وسائل تؤدي اليه، لا يحتاج الى دليل فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار، فشعاراتهم التي رفعوها طوال 80 عاما ولم يطبقوا أي منها هي أكبر دليل على ذلك، ولعلنا نفصل أكثر في مقال مستقل حول هذا الموضوع باذن الله.
ولكي ندلل على سوء فكرة الأحزاب فيكفينا النظر بعين الفاحص المتمعن لأقوى الأفكار الحزبية في المنطقة، واذا ما فعلنا ذلك فلن نجد سوى أفكار ثورية متشددة اقصائية لكل ما سواها، سواء كانت أفكار الاخوان المسلمين أو أفكار الملالي التي تعد هي أبرز الأفكار المنادية بالأحزاب في المنطقة.
كما أثبت التاريخ أن الأحزاب العربية غالبا ما ترتبط “بأشخاص” أكثر من ارتباطها بتطور فكري ومؤسسي، فلا تستطيع جماعة “الاخوان المسلمين” مثلا أن تفك ارتباطها “بشخصية” حسن البنا ولا تستطيع أن تنفصل عن أفكاره ولا حتى أن تطورها، وكذلك يرتبط الملالي ومن يتبعهم بأفكار مرشدهم الأول “الخميني”، كما ارتبط الحزب “الناصري” بأفكار جمال عبد الناصر بل أنه ذهب الى أبعد من ذلك وارتبط به حتى بالتسمية !
فكرة الأحزاب وان صلحت أحيانا في مجتمعات أخرى فان من المستحيل كما أثبت التاريخ نجاحها في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، ومن يربط النهضة والتطور بالتحزب فيكفي أن أكبر معدلات التنمية في العالم هي في الصين ذات الحزب الواحد، وعلى الصعيد الاجتماعي فان مملكة بوتان ذات الحزب الواحد هي الأولى في العالم من حيث القيم المجتمعية وتليها دولة الامارات العربية المتحدة التي تحل بالمركز الثاني في نفس الدراسة التي صدرت أواخر عام 2012 والتي أعدها مركز بريطاني متخصص.
كما نادت بعض الأصوات في الخليج بتحويل “القبيلة” وهي كيان اجتماعي الى حزب سياسي، وهذا ينافي الدولة المدنية حيث يصنف المواقف السياسية على أساس عرقي، وهو بذلك ينافي العدالة والمساواة المنشودة.
يجب أن تدفع جهات الى التوحد تحت مظلة الوطن كمرحلة مؤقتة للوصول الى الوحدة الاقليمية عبر توحد دول الخليج لا تفرقة كل دولة بالأحزاب، وهذا الدور منوط بالأنظمة الحاكمة وهو ما نرجوه منها.