ليس من قبيل المبالغة القول إن الأمن هو الحياة، فمهما امتلك الإنسان من نعم وخيرات فلن يشعر بها فعلاً إلا إذا كان في بيئة آمنة تجعله قادرًا على الاستمتاع بما يملك حتى وإن كان قليلاً، بينما افتقاد الأمن ينزع أية سعادة بامتلاك مال حتى وإن كان كثيرًا.
هذا الأمن بات حاليًا هدفًا بعيدًا وحلمًا صعب المنال في كثير من الدول التي تعيش منذ سنوات عدة في قلاقل شتى ونزاعات كثيرة جعلت شعوبها في تناحر دائم وتوتر مستمر سواء كان ذلك عن قصد أو دون قصد.
قامت ثورات وتغيرات في دول افتقدت شعوبها الأمن بمعناه الواسع واندفعت نحو التغيير آملة في تحقيق الامن والاستقرار وتوفير حياة كريمة وبيئة عادلة لكنها مازالت تحاول وتسعى لهذه الآمال وبعضها ضل الطريق وتخبط في ظلمات الظلم والفقر والاستبداد والتطرف، وبعضها يترنح بين خطوات ايجابية وأخرى سلبية.
هذه الدول امتلكت المبرر القوي للتغيير وهو غياب الأمن، فكان تحركها واندفاعها أمرًا مشروعًا ومطلوبًا، في حين رأت قوى وجماعات أخرى أن البيئة مهيأة لتحقيق مآرب خاصة وتنفيذ أجندة محددة في ظل هذه “الموجة” من الاضطرابات والقلاقل، فجنحت نحو الانقلاب على السلطات الحاكمة زاعمة السعي نحو الديمقراطية والأمن.
معروف أن من يمتلك نعمة لا يشعر قيمتها الفعلية إلا إذا فقدها، وهو ما يجعل الإنسان يستهين بما يمتلكه من نعم كثيرة ويسيء إلى بعضها بسوء استغلالها وهدرها فيما لا يفيد، وعندما يفقدها يتملكه الندم والحسرة على ما فرط إن كان فعلاً مازال لديه بقية من ضمير حي أو مسؤولية وطنية، أما إن كان فاقدًا لهذه المعاني والقيم فإنه لا يتورع أبدًا عن استحداث طرق أخرى لإتلاف ما وهبه الله له من نعم.
هذا هو حال الجماعات والفئات التي كانت تعيش في مجتمع آمن مسالم متحاب وبمستويات اجتماعية واقتصادية جيدة قد تحسدها عليها شعوب كثيرة، إلا أنها لا تشعر بهذه النعم أو أنها لا تريد لمجتمعها أن يكون متمتعًا بها، فراحت بكل قوة تعكر الصفو وتوتر الجو وتعرقل المسيرة وتضع العراقيل وتخلق الأزمات لإدامة حالة من القلق في الدولة اعتمادًا على حلفاء “غرباء” وأصدقاء “خبثاء” في شبكة آثمة لإيقاع الدولة وإسقاطها.
وفي الوقت الذي تكاد ترضى الشعوب الفاقدة للأمن بأية مستويات معقولة لهذا الأمن، فإن هذه القوى والجماعات الفاقدة للوطنية والمسؤولية لا ترضى بأي أمن يتحقق أو تقدم اقتصادي ينجز حتى لو كان ضمن المستويات المرتفعة على الصعيد العالمي، وما ذلك إلا لأن هذه القوى لا ترضى بديلاً عن العنف والفوضى ولا تقبل سوى بالتخريب والإرهاب.
المفارقة الأخرى، أن بعض السلطات والحكومات تسعى جادة لإفراغ مجتمعاتها من الأمن وتصدير إحساس دائم بالخوف والقلق وذلك بهدف تمرير ما تريده من سياسات وتتخذ ما تشاء من إجراءات حتى وإن كانت ظالمة أو قاسية.
بينما هناك سلطات وحكومات أخرى “تتحايل” وتتنازل لأجل نزع أي احساس بالخوف أو القلق، لكنها تقابل بنفور وتجاهل من قبل بعض القوى والجماعات التي لا يعجبها سوى نشر الفتن وإثارة القلاقل كمدخل لإثارة المجتمع الدولي ضد الدول التي تحتضنها وتوفر المأوى والعيش الكريم لها.
عجبًا لهذا الأمن الذي تهفو إليه شعوب غير قادرة على الوصول إليه، بينما تسعى قوى أخرى إلى تعكير صفوه والقضاء عليه.