على المستوى البحريني، تسود مصطلحات هذه الأيام أكثر من غيرها، وهي التي تخص الانتخابات بشقيها النيابي والبلدي، والتي تتحدث عن “المناطق” و”الدوائر”، وهذا أمر معروف وواضح إذ إن المترشح البلدي تقتصر حدوده الجغرافية في العمل على الدائرة التي يترشح فيها، فهو معني بتطويرها خدمياً، والأمر إذ يختلف لدى المترشح النيابي، الذي يعلم أو لا يعلم أن حدوده في الحركة البحرين، كل البحرين، ولكنه يستجيب – في نهاية المطاف – إلى التصورات الشعبية التي تطالب النائب أن يخدم أهل منطقته، ويهدده أهل المنطقة، أو يبتزونه بانتخابه، أو إعادة انتخابه في ضوء ما يقدمه لأهالي منطقته/دائرته.
الأمر نفسه الذي وسمه وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة “أنتوا من صجكم”، وهو يتحدث عن منطقة في الرفاع الغربي التي ألحقت إدارياً بمنطقة بعيدة نسبياً، من دون الأخذ بموضوع هوية وتاريخ “المنطقة” التي تنتظم في المجمع، وهو في هذا ليس بِدعاً من الكثير من النقاشات والأقاويل التي تناولت توزيع المجمّعات، ومن ورائها “المناطق”، فقد تحدث في هذا الأمر – في الفترة الأخيرة - عدد من الأفراد سواء من الذين يحملون النوايا الانتخابية من قبل انطلاقها، إذ قام البعض منهم ببذل مجهودات مختلفة في الفترة السالفة في مجمعات بغرض استمالة الرأي العام فيها، ففوجئ بأنها إما خرجت من تحت الدائرة، وإما أضيفت إليها مجمعات أخرى، ما يعني أن يبدأ معها مجدداً. وهناك من ناقش هذا الأمر بصفته التاريخية، والنسيج الاجتماعي، فيما يبقى الموضوع المذهبي من الأمور التي تقال ولا تقال، تطفو حيناً وتغرق حيناً.
وتبدو مناوشاتنا صغيرة، بل وتافهة إن صحّ القول إذا ما قيست بمناطق أخرى على امتداد الوطن العربي، وخصوصاً في البلاد التي تشهد انفلاتات أمنية، وأعمالاً عسكرية، وما يشبه الحروب الأهلية، أو هي حروب أهلية بامتياز، إذ يكثر الحديث عن أعمال عنف، وتفجيرات، وأعمال انتحارية، وغيرها من التعبيرات الرائجة في الأخبار لمناطق ذات غالبية “كذا”، أو التي تقطنها الطائفة “كذا”، أو المعروفة بأنها معقل لجماعة معينة. وهكذا، تتقسم الدول إلى مناطق، والمناطق تقاد وتُحكم (ربما) من قبل هذه الأغلبيات، وتبقى الأقليات إما على الهوامش، وإما خارج الدائرة لأنها ليست من أهلها. وغالباً تتعرض الأقليات في تلك الدول المبتلاة بالمشاكل والصراعات، للانتقام في حال ما تعرضت أقلية الغالبية التي تعيش ضمن حدود سيطرتها الجغرافية، لأي عمل في منطقة أخرى تكون فيها الأقلية هنا غالبية هناك، وهو أمر إنساني طبيعي، وغير مقبول في الوقت نفسه. فعلى الرغم من المناشدات “العلنية” من القيادات الروحية في المناطق المختلفة بعدم المساس بالأقليات المخالفة لها، أو المختلفة معها؛ إلا أن الطبع الإنساني الذي يُطلق الوحش من قفصه في نفسه، لا يسمع ولا يرتدع عند المواجهة، ولا يستعيد التعليمات، ولا تردّه شعارات المواطنة والعيش المشترك، ولا الأناشيد الوطنية، ولا الخطابات الرنانة، إذ يصبح الأمر قضية وجود: أنا (أو) هو. ولا يمكنه، وهو مدجج بالسلاح، غالباً كان أم مغلوباً، منتشياً بالانتصار أم منكسراً بالهزيمة، أن يفكر في أن يكون الوطن له (و) للآخر، ما دامت هناك مفاعيل أكبر من الوطنية تحرّك العواطف في الفرد، وإلا لما كان المختلف دينياً أو مذهبياً أو عرقياً؛ “آخر” بالنسبة له.
لقد حاول الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين (1878-1953) القيام بعملية تذويب الأعراق والانتماءات ما دون الوطنية، سواء العرقية أو الدينية أو المذهبية أو المناطقية وغيرها، بأن نقل عشرات الملايين من شعبه شرقاً وغرباً، وحاول تذويبهم في الوسط السوفييتي الأممي، لكي تقوم هذه الامبراطورية بضرب المثل على إنكار الانتماءات الفرعية، والهويّات غير الوطنية، بل والأممية، وتعاقب بعده عدة رؤساء أبقوا الوضع على ما هو عليه، ولكن ما إن انهار الاتحاد السوفييتي المثقل بالكثير من الأخطاء والخطايا في بعض من أهم مفاصله، حتى تنادى أصحاب الأعراق والأديان والمذاهب، وعادوا إلى مواطنهم الأصلية، وتكثف لديهم الشعور القومي، وطالبوا بالانفصال عن الدولة الجامعة، وهذا ما كان لهم، فتفرقع هذا الاتحاد إلى 15 جمهورية. وحتى يحقّ لمن أراد الإشارة إلى ما سيأتي بـ “التبسيط”، فإن العلّة الأساسية هي أن تلك الدولة التي باتت اليوم جزءاً من التاريخ، “جاورت” بين الناس، ولكنها لم تدمجهم معاً، وعلى الرغم من الوجبات التثقيفية الدسمة التي كانت تلقَّم للناس في الداخل، والخارج أيضاً عن الفكر الشيوعي والنموذج السوفييتي، إلا أن هذا كان واضحاً أنه لا يغادر الكتب، ولا ينزل في قلوب الناس، فما ان زالت القبضات الحديدية حتى بات الاتحاد دولاً، والهوية هويات، والألسن استعادت كذلك لغاتها، فكان صرحاً من “خيال” فهوى!
بينما – في المقابل - يقال إنه قليلاً ما يتوفى الفرد الأميركي – في الغالب - في الولاية نفسها التي وُلد فيها، لأن بلاده مفتوحة له للتنقل والعيش أينما أراد، فكل الجهات بلاده.
في البلاد العربية لم يجر التهجير والتسفير وخلط الناس بعضهم ببعض، إذ بقيت المناطق ذات الغالبية على حالها، مغلقة أو شبه مغلقة، تتقدم فيها المنطقة على الدولة، يدافع أهلها عنها، يدافعون عن كيانهم، ينتحرون على أسوارها، يقدمون أنفسهم قرابين لها، ذلك لأن دولنا العربية والإسلامية كذلك، قد فشلت – في معظمها – في بناء فكرة الدولة المتعالية على جميع الهويات الصغرى، الجامعة، الدولة الرأوم التي لا تقوم على خنق أبنائها، ولكنهم يتحدثون “عن” دولة مدنية، وليس “من” دولة مدنية عصرية يسيّرها القانون المتفق عليه، إنه قانون الدولة التي يجد كل فرد فيها، صورته منعكسة في مرآتها، سواء كان من عاصمتها أو من أية منطقة فيها؟.