في إحدى دول أوروبا الشرقية، وقبل انهيار جدار برلين بسنوات قليلة، كانت الأوضاع تمور هناك وبعض المجموعات تحاول أن تحدث تغييراً، سواء كان هذا الأمر نابعا من الداخل كما قيل، أم أنه كان بتحريض وتمويل ودعم أميركي أوروبي غربي، كما كان يشيع المناهضون، فإن هذا ليس بيت القصيد. فقد اتفق طلبة الجامعة في ذلك البلد على التعبير عن آرائهم، وإظهار اعتناق فكرة ما للعيان حتى لا يقال انهم «شرذمة»، وذلك بارتداء قمصان ذات لون موحّد أثناء تواجدهم في الدراسة. الأمر الذي أربك رؤساء الجامعات وتداعوا إلى اجتماع عاجل، وأسدى مستشارو الأمن في ذلك البلد نصيحة بإصدار قرار يقضي بمعاقبة أي طالب يرتدي ذلك اللون. فما كان من الطلبة إلا أن اتفقوا على ارتداء لون موحّد آخر، فاكتشف المسؤولون أنهم لن يتمكنوا من منع جميع الألوان.
هذه المقدمة ربما تكون مناسبة للدخول إلى موضوع منع وزارة التجارة والصناعة استيراد قناع «فانديتا» بالقرار رقم 26 للعام 2013. لأن هذا القرار اليوم يشبه المحاولات التي تدعو للشفقة لمنع الوصول إلى مواقع إلكترونية محددة، أو عدم الاتصال بالخارج، أو لو افترضنا منع الناس عن السعال في الأماكن العامة. لأن المسؤولين في وزارة التجارة والصناعة هم (يفترض) أن يكونوا أعلم الناس بأن هناك تجارة إلكترونية تدر أرباحاً بالمليارات اليوم من دون وسطاء واعتمادات مالية وكل الطرق العتيقة في التجارة، إنها الإنترنت والثورة المعلوماتية التي لم يكن للبحرين أن تتأخر عنها وأدخلتها في الخدمة بعد أقل من ثلاث سنوات من إطلاقها عالمياً. ومنذ ذلك الحين أصبح الفضاء العمومي الإلكتروني حقاً مكتسباً لا يمكن لأي مسؤول في أي موقع في أي بلد كان أن يقول أنه سيوقف الخدمة لأنها لا تعجبه أو تتعارض مع مصالحه أو أنه يتلقى عليها أخباراً تعكر صفو مزاجه. بل عليه أن يطوِّع نفسه لهذه الموجة الجديدة أو يعتزل حتى يلقى وجه ربه الكريم. وهاكم تجارب بلدان كثيرة، أوضحها الصين التي تحاول جاهدة أن تمنع محركات البحث، أو بعض المواقع الذائعة الصيت، وهي في سباق، بل لهاث في هذا الأمر ولن يطول الزمن حتى تسلّم بأن الموجة أعلى من أن يصدها فرد بجسمه.
والقرار محل المناقشة يستند إلى المادة (16) تحديداً من القانون رقم (35) لسنة 2012 والتي نصّها «يجوز للوزير في حالة خطر حال أو وشيك الوقوع، بناءً على معلومات مؤكدة ومعايير محددة في اللائحة التنفيذية لهذا القانون، أن يصدر قراراً بإيقاف استيراد منتج معين أو تصديره أو عرضه في السوق أو سحبه منه أو إتلافه إذا كان الإتلاف هو الوسيلة الوحيدة لوضع حد للخطر الناجم عنه وللوزير أن يصدر تنبيهات أو أن يتخذ أية احتياطات يعلن عنها وبما يكفل علم المستهلك بها». ومع قداسة الآية الكريمة {وفوق كلِّ ذي علم عليم} (يوسف:76)، والإيمان المطلق بها، فلا يرى هذا الكويتب الفقير في علمه إلى الله، أي «خطرٍ حال أو وشيك الوقوع» جرّاء وجود قناع بشكل معين في السوق، بما يتوجب منع استيراده. فالمسألة لا تتعلق بالقناع نفسه، لأن من أراد التخفي أمكنه فعل ذلك باستخدام أي قناع آخر، سواء كان مصنّعاً كقناع من البلاستيك أو أية مادة أخرى، أو يمكنه فعل ذلك بقميصه، أو بكوفيّته (غترته)، أو بجورب نسائي، أو بتلطيخ وجهه... ما الفرق؟ هل ستتمكن القرارات، مهما تعاظمت وتراكمت وتوعّدت بأن تلاحق كل هذه الأشكال أو غيرها؟
ثم أن القرار يمنع الاستيراد من جميع المنافذ، وماذا عن الكمية الموجودة حالياً في الأسواق؟ فلقد رأيت (بل وصوّرت) محلاً يعلق هذا القناع ضمن بضاعته، ويستند الآسيوي البائع باطمئنان عند باب «حفيزه» الصغير المكتظ بما تستفرغه لنا المصانع الصينية من «الخاش باش»، من دون أن يدري إنما هو مستند إلى جانب «خطرٍ حال أو وشيك الوقوع». أردت أن أنبهه قبل أن يندم.. ولات ساعة مندم، ولكن ما عساني أن أقول له؟ كيف سأشرح له معنى «الخطر الحالّ» في هذا الموضوع؟
في الحقيقة، لست أريد التهكم، كما أنني لست أجيده. لا هو الوقت المناسب ولا الظرف المناسب لأي نوع من أنواع نسج المواويل على قضايا صغيرة وبالغة الفرعية، ولكن الأمر يحيل إلى مسألة قد تفضي إلى ما يمكن تسميته بالغربة عن المجتمع.
فإذا كان القرار قد أتى من وزارة التجارة والصناعة بطلب من وزارة الداخلية، بما قد يوحي بأن هناك انتشاراً متزايداً في لبس هذا القناع تحديداً أثناء التظاهرات، فإن المشكلة ليست في القناع بحد ذاته، بل في لبّ القضية التي نتمنى منذ سنوات بعيدة أن تجد دروبها الأفضل للحل من دون أن يحترق إطار ولا تطلق عبوة مسيلة للدموع، بل، ومن دون أن يُفجع أي امرئ في حبيب له. وإذا كان ما فهمته صحيحاً، فلقد جاء الرد سريعاً بأن وزّع أناس رسماً بحجم الوجه على شبكة الإنترنت، مشفوعاً برابط على موقع يوتيوب لكيفية صنعه... ما الخطوة التالية؟
وفي الوقت نفسه لم تخفَ نبرات الصحف والمواقع الإخبارية العالمية التي تناولت هذا الخبر (انظر على سبيل المثال صحيفة «الانديبندنت» البريطانية، و»المصري اليوم» المصرية)، وكيف تناولت بالتعليق على هذا الخبر، وكيف أن خبراً محلياً صغيراً صار محط اهتمام عالمي، ومن أي زاوية تم تناوله وتحليله، وكيف بدت المملكة في انعكاسها في تلك الوسائل الإعلامية ذات الصيت والثقل، كلها أسئلة تحتاج لأن توضع معاً لمعرفة انعكاسات قرارات اليوم على الكثير من المرايا والأسطح اللامعة، وكيف أن قناعاً حقير المواد الداخلة فيه، زهيد الثمن يمكنه أن ينقل بلداً بأكمله ليكون محط أنظار العالم.