لقد تم ما كان يُخطط له، ربما – حتى كتابة هذه السطور في الساعات الأولى من يوم الأحد – لم تكتمل الصورة بعد، ولم تنته الأمور إلى ما تساق إليه، ولكنها إن لم تنته لحظة قراءة هذا المقال، فإنها ستنتهي، فحتى السنّ لا يُخلع بالكمّاشة من جرّة واحدة، فلابد من قلقلته مراراً حتى ينفك عن مكانه ويسهل خلعه. وهكذا الحال بمحاولة إفشال الحوار الدائر في العرين، فإذا لم تفلح المحاولة الأولى ولا الثانية في نزعه، فهناك من المحاولات الكثر مما يُنتظر، والهدف النهائي هو إنهاؤه، بأن تترك الطاولة خاوية، أو أن تقلبها الأطراف على الأطراف، وينتهي كل شيء.
هذا هو السيناريو الأكثر وضوحاً، بل الأكثر توقعاً حتى من قبل أن يبدأ التداعي الجاد للحوار، ومن قبل أن يتلكأ من يتلكأ، ويبادر من يبادر. التركيبة البسيطة لهذا السيناريو ذي الفعالية العالية، والنتائج المضمونة تعتمد على المعادلة التالية: احتقان الشارع أثناء الحوار بعد حقنه بما يجعله بالغ التورم والحساسية، اصطدام ما بين مسيرات تقول أنها سلمية وقوات أمن تقول أنها غير ذلك، توتر أمني، ضحايا، احتجاج داخل القاعة الحوار، تبادل شتائم واتهامات بين المتحاورين، انسحاب، اتهامات مقابل اتهامات بإفشال المسألة، استعراضات للبلاغات، تسخين وسائل الاتصال الاجتماعي، تواصل مع وسائل الإعلام الخارجي، رفع درجة السباب والوقاحة، يُسدل الستار، يظهر الأبطال يحييون الجمهور العريض، ينحني الجمهور لهم في سابقة غير تلك المعمول بها في المسرح، حتى مع مقولة يوسف بك وهبي «إنما الحياة مسرح كبير»، فإن شروط المسرح وتقاليده تتغير عندما يكون الأبطال ماسكين برقاب العباد. يأتي عمّال المنتج ليضعوا الأوراق والملفات في صناديق ويحزّموها، يعيدون الطاولات إلى ما كانت عليه من ذي قبل «فلا طبنا ولا غدا الشر».
تنجلي مكائن بثقل الأسئلة في هذه الظروف: أيهما أجدى أن تكون الساحة هادئة هذه الأيام حتى يدخل المتحاورون القاعة من دون ضغط أم أن إشعالها هو الضغط؟ الضغط على من ولصالح من؟ هل من الضروري أن تسيّر المسيرات الحاشدة في هذه الأيام والجميع، وأعني «الجميع»، يعلم ما الذي سيحدث حينها؟ هل كان من الضروري أن يسقط اثنان من الطرفين في هذه الظروف؟ هل كان بالإمكان تجنب الضحايا؟ هل كان بالإمكان وقف «التضحية» بأحد؟ هل من المبرر أن يباح الدم القاني أيّاً كان مصدره لتحقيق مصالح من أي نوع؟ هل التلاعب بالأرواح بات من السهولة التي يمكن معها تبرير المنطق المكيافيللي للرجوع إلى المربعات الأولى، بل وما قبل الأولى؟ هل صار من المعتاد لدينا رؤية دكات غسل الموتى تستقبل ضحايا العنف والهوج والعسف؟ هل باتت دموع الأقارب والأهل ولوعتهم وتفجّعهم على أحبابهم من الابتذال بما يشبه فيلما تتكرر رؤيته حتى يفقد روحه وتأثيره؟ والسؤال الأكبر: من المستفيد من عدم هدوء البحرين والعودة بها إلى ما قبل الاضطرابات؟ ومع أن هذا المطلب يبدو متواضعاً جداً ومنافياً للسيرورة وتدافع الوقت بأيامه وساعاته، لأن العقل يقول أن العودة يعني تأخراً وخسارة عظيمة لوقت يُحتسب لدى الأمم بالدقائق ونحن نطالب (حباً في الله) أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ونلصق أوراق الرزنامة شهوراً بعدما تساقطت، وأن لا نرى كل هذه الكآبة والوحشة التي تجثم على صدر الوطن...هل ممكن؟
وفي الوقت الذي سيحمل كل سؤال مما تقدم الإجابتين المعروفتين المتناقضتين المشيرتين بإصبع الاتهام إلى الآخر، اللابستين لبوس الطهر والبراءة، المكتفيتين بضجيج الأصدقاء والحواريين والمؤيدين والمخدَّرين من الأتباع، سيذهب بعدها كل فريق إلى «عرينه» الوهمي، وسيغسل كل قاتل يديه من دم ضحيته، وسيرمي للغسيل بكسل ثيابه التي انتثرت عليها دم الضحية نقاطاً وبقعاً وبقايا لحم آدمي، سيداعب أطفاله، إن كان له منهم حظاً، يرتشف الشاي، سيشاهد برنامجاً ربما، أو يقرأ ما تيسّر له من كتاب الله، وقد يشارك في لعب مباراة رياضية، ومن ذهب إلى بارئه لن يبقى منه سوى اسماً وصوراً له قبل وفاته وبعدها، كمّاً من الآهات، ورقماً في جدول الضحايا التي نختلف على تسميتهم: أشهداء هم أم ماذا؟
إن سياقاً اعتيادياً ومعروفاً ومكشوفاً وأشوهاً كهذا الذي نحن بصدده يتجلى في أبشع وأغبى مظاهره إزاء كل استحقاق وطني بغية فتّ أي قدرة على تلاقي الإرادات السياسية على كلمة يتوافقون عليها، صار مملاً أكثر من نشرات الأحوال الجوية لفصل الصيف البحريني، ونتائج هذا السياق الأعوج والأهوج تعني انتحاراً بطيئاً للوطن وأهله وتقويضاً شرساً لكل ما تم بناؤه على مدى عقود طويلة، وربما منذ أن عرفت هذه البلاد الشكل الحديث في التنظيم الإداري في النصف الأول من القرن العشرين، وعودة سريعة إلى مهاوي المجهول، وربما نوشك أن نلبس جلود الحيوانات ونحمل الهراوات في رواحنا ومجيئنا كإنسان الكهف الأول لأننا نعجز على أن ندير خلافاً أو أن نجري حواراً متحضراً أو أن نحل إشكالاً مهما كبر وتعقّد. إذ أنه يتعذر على الكثير من الأفهام، إيجاد العلاقة المنتفية بين قدرة البحرين (كل البحرين) على حل قضية الخلاف الحدودي مع دولة قطر عبر الطرق الدبلوماسية والقانونية، بما في ذلك مناطحات قانونية ومحكمة عدل دولية وعكوف فريقها القانوني على دراسة الملفات وتدبير الحجج ؛ وعجزها في المقابل عن التوصل إلى حل معقول لقضية داخلية أخف وطأة من تلك، لتتفاهم الأطراف مع بعضها وتجري فيها المساومات المعتادة سياسياً، تحت الشعار المحلي «من بغى شي.. خلّى شي»، حتى لا يفوز أحد بكل شيء، ولا يترك للأطراف الأخرى أي شيء!