بينما كان المتحاورون في العرين منشغلين في تهيئة أجواء، نتمنى بعد جولة يوم أمس (الأربعاء) أن تتقدم حثيثاً من أجل موضوع لطالما كتبنا عنه، وظنناه في يوم ما من المنالات البعيدة، والأحلام الرومانسية، فإذا به يتحقق في شكله الجنيني الأولي الذي نأمل أن يتحلى من فيه بالحكمة والرزانة الوطنية؛ كانت حوارات أخرى تجري في الموازاة في نادي العروبة، تحديداً في الحادي عشر من هذا الشهر، لبحث سبل استعادة الوحدة الوطنية.
قبل الولوج إلى الموضوع، لا بد من تثمين الدعوة التي أطلقتها جمعية التجمع القومي الديمقراطي في هذا الصدد، كونها تنمّ عن إحساس لا بد وأنه خامر الجميع من دون استثناء، وخصوصاً في العامين اللذين نقفل الباب عليهما اليوم، بأن البحرين لم تعد البحرين، ولم تعد تعرف ذاتها، وأنها تغرّبت كثيراً حتى عن الخطابات السطحية التي تتحدث عن الأسرة الواحدة، لأن ما من أسرة تفعل بأفرادها ما فعلته هذه الأسرة إبان وبعد الأحداث المعروفة لدى الجميع.
جزء مما يمكن قوله في هذا الصدد، أن الحوارية التي ضمت أطيافاً شتى على هذه الطاولة كان حواراً من نوع آخر، انصبّ على مسألة الوحدة الوطنية، ولكنه تفرع إلى الكثير من القضايا التي يهجس بها الناس، ويظل التساؤل المشروع الذي تتشظى منه الكثير من التساؤلات الأخرى: ما الوحدة الوطنية؟ ما مكوناتها وأسسها؟ هل كانت هناك وحدة وطنية في تاريخ البحرين المعاصر ونود استعادتها تحديداً؟ ما الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي مرّت على هذا البلد وأذكت عنده ضرورة الوحدة الوطنية، ولماذا تخلى المجتمع عن الوحدة الوطنية لصالح هويّات أخرى مختلفة؟ ثم من بعدها يمكن التساؤل: كيف يمكن استعادة الوحدة الوطنية، وتقريب الواقع من الحلم حتى تستعاد هذه الوحدة؟
في رأيي، أن “الوحدة الوطنية”، إن صدقنا النظر والتمعن في التاريخ لتعريف هذه الوحدة، لم تكن نتاج “برنامج” أو “جملة من النشاطات” التي يضعها الفاعلون، ولكنها إحساس جمعي يصدقه العمل اليومي في كل التفاصيل، وربما صغائر التفاصيل تنبئ عن هذه الوحدة قبل كبائرها. فالشعور العام بأن الجميع يتمتع بالعدل وتساوي الفرص والمشاركة بالثروات...الخ، وهو واحد من المطلوبات الرامية لتحقيق الوحدة الوطنية؛ يتساوى تماماً مع الشعور العام بالظلم والحرمان والتمييز...الخ. فكلا الموقفين أو الحدّين يخلقان شعوراً متشابهاً بتساويهم إماً عدلاً وإما ظلماً، وهو دافع مهم للتوحد الوطني إما لإزاحة الظلم أو تثبيت العدل. وهذا العامل من أهم عوامل “التماعات” وحدة وطنية في التاريخ الوطني المعاصر. أما إن تجذّر الإحساس العام لدى فئات الشعب أن هناك فئة محرومة وفئة منعّمة، وتعزيز هذا الإحساس على الرغم من عدم صحة تعميمه بالمطلق، سيحول دون الوقوف صفاً وطنياً واحداً تجاه أية قضية، لأن الغناء على أكثر من ليلى في الإنشاد الجماعي كفيل بإفساد التناغم الذي هو واحد من أهم سمات الوحدة الوطنية في التقارب الكبير في وجهات النظر للقضايا المتنوعة التي تمر بها أية أمة.
ومن جانب آخر، فلقد جرب الحاضرون، أو كثير منهم، جميع الأساليب التقليدية المتاحة لرأب صدع الساحة البحرينية. على الرغم من رومانسية البعض بأن ليس هناك من مشكلة، وليس هناك من خلل، وليس هناك أدنى شعور سلبي تولّد بين أبناء هذا الشعب؛ لكن النتائج تبدو مخيّبة للآمال، ولم تأت بما حلم به المخلصون. المشكلة ليس في الإخلاص ولا في الأحلام والآمال، ولكنها في الطرائق التي انتهجها الحريصون على الوحدة الوطنية، ووقف أي انزلاق يتبدّى وقد يؤدي إلى عواقب أعظم وأعمق مما حصل بالأمس، وهو (في رأيي) الأسوأ الذي مرّ علينا، أو ما آلت إليه الحالة البحرينية في يومنا الحالي وهي مرحلة أقل سوءاً وضراوة، ولكنها أيضاً ليست بالصورة الأقرب للمثالية التي يحلم بها الفاعلون على الساحة السياسية، وإلا لما تنادوا إلى هذا الاجتماع وغيره من الفاعليات التي عينها على الهدف نفسه.
فجلّ الفعاليات كانت تتجه إلى المحاورة ومقارعة الحجج في سبيل تليين مواقف الجميع تجاه الجميع، وهذا أمر جميل حسن، ولكنه أيضاً حراك لا يقدم كثيراً في وقت نرى الشارع تتقاذقه فئات لا تحضر المجالس التي يحضرها الكبار والشيوخ، ويكفي تصرف واحد في الشارع، وإن تبرّأ منه من يتبرّأ، ليعيد الإشكالات إلى المربعات الأولى لأي قضية تبحّ فيها الأصوات بغية الحلم والصبر والأناة والصفح والتجاوز.
ربما تكون واحدة من الإشكاليات التي لا يستشعرها البعض أن عدداً كبيراً من الفاعلين على الساحة السياسية هم ذاتها الوجوه التي لطالما قادت الحراك السياسي. ولا شك أن للعديد منها إنجازات وإسهامات شتى على هذا الصعيد، ولكن ربما (وهذا يعني عدم اليقين) ربما آن لها أن تترك المجال لغيرها بشجاعة. فالكثير من الناس يربطون المواقف بالوجوه، وصحيح أن الكثير من الناس أيضاً يتساءلون بشيء من النزق: من هذا الطارئ على الساحة السياسية؟ ولكنهم أيضاً يفسحون للقادم الطريق إن هو أثبت مصداقية عالية فيما يطرح، معززاً القول بالفعل. ويبقى “الآباء المؤسسون” في خلفية المشهد يمدّون الجدد من خبرتهم وفيض عطائهم. إذ يقال أن رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرتشل قد خرج ببريطانيا منتصرة في الحرب العالمية الثانية، ولكنه فشل في الانتخابات التالية لأن البريطانيين – على الرغم من إجلالهم له - لم يكونوا يريدون وجهاً يذكرهم بأيام الحرب ومآسيها!
إن النظر إلى قضية الوحدة الوطنية عليه أن يراعي الكثير من المتغيرات التي حدثت محلياً وخارجياً ليفهم بالضبط مكان الخلل، ويعرف ما الذي يمكن فعله، وربما بعد التشخيص يتبين أن حل المشكل الوطني ليس في يده، أو أنه أقرب إليه من حبل الوريد، ولكنه أكيد ليس بترديد القصص القديمة عن أشكال التعايش الوطني، لأن لا أمس يشبه اليوم تماماً.