بعد أن وجه جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى الدعوة لاستكمال حوار التوافق الوطني للخروج من عنق الزجاجة فيما يرتبط بالشق السياسي، فإن المعطيات المطروحة - وبكل صراحة - على أرض الواقع من شأنها أن تعكس في الغالب مؤشرات لا تبشر بالخير، وذلك متى ما أصر كل طرف على ما يتمسك به من مطالبات دون السعي الجاد إلى تحقيق التوافق – على غرار مسمى الحوار – فيما حصل فيه الاختلاف والمخالفة بين الأطراف المتحاورة، واليوم البحرين أصبحت على صفيح ساخن وتمر بلحظة مخاض عسيرة لا تحتمل التأويلات ولا تستطرب للتكهنات؛ لذلك فإنه لما كان الخلاف بين عدد من مكونات الشعب من جانب، والوفاق وأخواتها من جانب آخر، فإننا نقول للوفاقيين ومن معهم بأنه آن الأوان لنقول لكم ضرورة: «تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم».
نقول هذه العبارة في دعوة صريحة ومؤكدة ومبررة أننا ما دمنا نعيش في أحضان وطن واحد مهما اختلفت انتماءاتنا الدينية والعرقية والطائفية، فإننا لابد أن نتجاوز ما نمر به من اختلافات ومشاحنات بعز عزيز أو بذل ذليل، وإن كان التعبير عن ذلك قد أبرز جانباً من العنف والعنف المضاد، وإن كان هناك من الضحايا ما هناك بسبب هذه الأزمة التي عصفت بالبحرين ومازالت لها تداعياتها المريرة؛ لنؤكد ضمن هذا المقام أننا إذا خسرنا الشيء الكثير نتيجة لذلك – وأعظمه ارتفاع معدلات الاحتقان الطائفي -، فإننا ينبغي علينا جميعاً ألا نخسر ما تبقى من تماسكنا وتعايشنا ووحدة انتمائنا.
إن الدعوة في هذه الفترة جاءت بتدخل من رأس الدولة جلالة الملك المفدى لاستكمال حوار التوافق الوطني الذي كان قد دعا إليه سابقاً وانسحب منه الوفاقيون وأقرانهم؛ حيث جاءت دعوته هذه ابتغاء البناء على ما تم التوافق عليه من أجل الوصول إلى مزيد من الاتفاق على العديد من الأمور والمسائل العالقة، وذلك من خلال حوار وطني هادف وجاد يستهدف في المقام الأول مصلحة الوطن والمواطنين، ولا شيء غير ذلك.
وحقيقة الأمر ودون محاباة أو مجاملة فإن التفاؤل بنجاح هذا الحوار وما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك من تداعيات وتصرفات قد لا تبشر بانفراج الأزمة، ولكن القناعة التي ينبغي أن تكون راسخة لدى الجميع أن هذا الحوار جاء كتعبير عن تأكيد القيادة الرشيدة ضرورة إبراز لغة العقلاء على لغة السفهاء ولا شيء غير ذلك، وإلا فإن الهلاك سيطال الجميع دون استثناء، وهذا ما يحتم الأخذ بالأيدي وتجنب الكثير من المزالق التي قد تجر إلى حالة من الانغلاق لا ينفع بعدها لا حوار ولا توافق؛ لتستمر عجلة العنف بالدوران لتأتي على الأخضر واليابس على نحو لم يسبق له مثيل، ولتضيع الحسابات بعد ذلك فلا نتمكن من أن تحقق استقراراً ولا قاعدة صلبة يمكن أن نُوجد من خلالها حالة من التعايش والانسجام بين من يعيش على هذه الأرض الطيبة المعطاءة.
إن هذا الحوار أياً كانت مراحله وأياً كانت نتائجه ينبغي أن يستوعب من خلاله جميع من يشارك فيه بأنه متى ما لم يحصل بناء على معطياته توافق بين أطرافه فإن الأمور بعد ذلك ستؤول إلى وضع لا يبشر بخير، وإذا كانت الظواهر السلبية نتيجة الأزمة التي تمر بالبحرين لم تأخذ حالة من التعميم والانتشار، فإن عدم نجاح هذا الحوار سيفجر الوضع وستكون الخسارة بعد ذلك على الجميع، وما أمكن لملمته واستيعابه الآن قبل هذا الحوار وبعده قد يتعسر بعد ذلك في الجملة والتفصيل، وعندها لا ينفع لا ندم ولا لطم ولا حسرة.
إن الإشكالية واضحة ولا داعي لتبيينها، وهي تتمثل بأن هناك خلافاً قائما بين الوفاق وأخواتها وبين الحكومة وعدد من الجمعيات السياسية والأهلية، وذلك دون وضع أي طرف في خندق والآخر في خندق آخر – وأعني بذلك خندق الموالاة والتخوين -؛ ليبقى ما يهم من هذه الدعوة إلى الحوار في هذا المقام يتمثل بضرورة أن تكون لدى الجميع قناعة راسخة بأن هذا الحوار أصبح ضرورة باتت تمثل نقطة تحول ينبغي استثمارها بشتى الوسائل ومن خلال تحقيق التنازلات الجدية بين مختلف أطرافه المشاركة فيه لتجاوز معطيات الأزمة الآنية، وليتحقق ما تمناه جلالة الملك المفدى بالـتأكيد على أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة خير وبناء وتقدم بعونه تعالى وقوته.
زبدة القول
قد لا نكون مخطئين عندما لا نتفاءل بهذا الحوار ونتائجه التي من المؤمل أن تحتوي الأزمة القائمة في البحرين اليوم، ولكننا من الأولى أن نتفاءل اقتضاء لما آلت إليه الحالة الراهنة في أوضاع الأزمة البحرينية القائمة منذ فبراير 2011م، ومن أجل ذلك فإن على الجميع دون استثناء أن يستوعب أن تجاوز هذه المرحلة دون حل المعضلات السياسية المتراكمة من شأنه أن يولد حالة من التشاؤم المرير الذي لا تُعلم تداعياته ولا تُدرك تبعاته، والاستعانة في تجاوز ذلك بالعلي القدير هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.