العدد 1531
الأحد 23 ديسمبر 2012
الجلجلة الإعلامية بمصر جرأة أم...؟ د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الأحد 23 ديسمبر 2012

حين نكرس كثيرا مما نكتب لما يجري في مصر لا لنخدم جماعة أو فئة، نعوذ بالله أن نكون أقلاما مأجورة تكتب للأيد والكيد، تنحاز ممالأة أو مجاملة، فلسنا منغلقين ولا ممن يؤيد ويشجب لهوى في نفسه، نحن نرى ونقرأ ونسمع ونكتب ما تمليه ضمائرنا متوخين الصدق مع الله، وخدمة أمتنا، مصر مركز الثقل في قيادة العالم العربي، ودورها القومي ريادي وليس عابرا، وهي في زخمها البشري وموقعها الجغرافي وتقدمها في النهضة، ودورها السياسي عالميا ينبغي أن تستأثر برأس اهتماماتنا، ومصر بعد ثورة الربيع العربي تواجه هجمة شرسة لا نشك أن وراءها قوى لا تريد لها ولأمتنا الاستقرار والازدهار، وهذا الصراع الإعلامي المدوي يستغل كل الوسائل الحديثة لتفرقة الصفوف وإثارة التوترات مما يستدعي التوعية من خطورته والتنبيه إلى دوافعه وجذوره.
لقد حكم مبارك مصر أربعين سنة نشأ وترعرع في كنفه جيل كامل، من الأصوات العالية التي نسمعها في الإعلام المصري المكتوب والمسموع والمرئي، إضافة إلى جيل من القضاة هيمن على المؤسسات القضائية، وخلق وجوها لامعة من نجوم السياسة المخضرمين، هم جميعا ماركة مسجلة بختم الرئيس وحقبته، وهو ما لا ينكره احد، مقابل جيل مكافح كان مغمورا بالقهر قبع في السجون والمعتقلات وهمش وطورد وحوصر، أو ساروا مع الركب على إطراف الأصابع وغالبيتهم من الإسلاميين يؤثرون الصمت على الشهرة وأصواتهم رغم الحق الذي يصدحون به مازالت غير قادرة على الجلجلة في الحلبة ومجاراة الأصوات العالية من نخبة الفلول التي اعتادت أن تأخذ بالمثل “خذوهم بالصوت لا يغلبوكم”.
في عهد مبارك فقدت مصر مكانتها الدولية وريادتها العربية، وأصبحت ثقلا على العرب، مبارك ساهم وأسهم عام 1990 بضرب اكبر قوة عربية وقتها العراق ومهد لتحطيم قوته العسكرية بالسماح للبوارج الأميركية بعبور قناة السويس إلى البحر الأحمر لتقصف العراق من الظهر بصواريخها الموجهة بالأقمار الصناعية، وسعى في تحطيم بنيته بالحصار العربي المشؤوم سنوات طويلة وقاسية، وساوم وزايد على احتلال أميركا للعراق، وليس لأحد أن ينكر دوره الدنيء لا عربيا ولا أجنبيا والسبب حقد شخصي على الرئيس صدام حسين ورهان أخطل على الزعامة، وكثيرا ما أدى دور المخبر السري رقم 1/ 20 للقوات المعتدية والغازية. وهو دور لا يقل خطورة عن تآمره على القضية الفلسطينية وحصار غزة، ومهمته عرابا لأوسلو، وهو من باع النفط العربي لإسرائيل بأسعار تفضيلية وفتح للصهاينة مرافق مصر السياحية يفسدون ويتجسسون، وقدم المناطق الاستثمارية الجيدة للمستثمرين لقاء عمولات، سرق وأفسد الحياة السياسية وباع مصر سياسيا وتسبب بتخلفها اقتصاديا وثورة الشعب المصري في 25 يناير برهانا.
الغريب أن كل العناصر من القيادات والأحزاب التقليدية وشرائح الإعلاميين والقضاة والسياسيين لم يسجل التاريخ أن لهم مواقف مشهودة جهارا تجاه تجبر مبارك، سوى حراك كفاية المتواضع، لكي لا نظلم أنفسنا، وهناك من طالب بوجود نائب لمبارك ملوحا إلى مرضه ونال جزاءه لمجرد التنويه، ولم تعترض الصحف والفضائيات وتجهر بتزوير الانتخابات علنا، ولا بفساد الزمرة وهيمنة أبناء مبارك وتعاطي حرمه بالرشاوى كما تجهر اليوم إفكا وعدوانا، ولم يقفوا ضد العمالة وبيع الوطن وتقييد الحريات وتبديد الثروات على أيام مبارك ولم تعل أصواتهم جاملوه وسايروه خوفا وطمعا، واليوم يقفون ضد الإسلاميين بشراسة ووقاحة غير مسبوقة ويظهرون غيرتهم في غير موضعها! العجيب وما يثير العجب أن كل الأحزاب التي لم تجتمع كلمتها يوما على شيء تجتمع اليوم على منازلة الإسلاميين بصراحة ووقاحة غير مسبوقة فلا حرمة لرئيس، ولا احتراما لمسؤول، ولا التزاما بقيم، ولا انتصافا ولا إنصافا؟ فمن أين جاءتهم هذه الجرأة؟
لماذا يظلمون الرئيس مرسي؟ وهو لم يسجن ولم يعذب ولم يساوم ويحاكم احدا بالتطاول عليه حتى اليوم، وهذه المعارضة تتظاهر وتعتصم وتتحدث في الفضائيات والصحف ويضربون، ويعطلون مصالح الناس والبلد بحريتهم، ولا ندري كيف رضوا بدستور مبارك وحكمه أربعين عاما، ويحكمون على الإسلاميين بعدم الكفاءة بأشهر معدودات؟ كل شيء بات واضحا يعارضون من أجل المعارضة، ولأن مراكزهم باتت مهددة فيدفعون عنها سلفا على حساب البلد، فكل تصرفاتهم وتحدياتهم وتكتلاتهم وشعاراتهم تنطق بذلك صراحة. ولا أزعم أن الدستور منزه من الخلل، ولا الإسلاميين مبرأين من العيوب، ومثلما في المعارضة من هو مخلص وصادق فيها من هو من الفلول أيضا وقد جمعوا رصيدا معتبرا احتشدوا لمجابهة الإسلاميين بالحق والباطل، وكلنا مسؤولون عن الكلمة أمام الله والحلال بين والحرام بين. ومصلحة مصر تقتضي الوحدة لا الفرقة والحث على فعل الخير، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، أما الزبد فيذهب جفاء؟

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .