في قلب الحرب الباردة الجديدة بين أميركا والصين.. الملاذ أدوات بدائية

| ياسر سليم

بدا المشهد ساخرًا ومثيرًا، وأقرب إلى مفارقة تاريخية مدهشة: الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبار مسؤولي الولايات المتحدة، القادمة من معابد التقنية في وادي السيليكون، يتخلصون من الهدايا الثمينة المقدمة لهم من الجانب الصيني قبل صعودهم للطائرة في رحلة العودة، خشية أن تكون مزودة ببرامح تجسس وتتبع، وهو ذات السلوك الذي فعلوه حينما قاموا بطي هواتفهم الذكية جانبًا، وهم جلوس على موائد الاجتماعات مع الصينيين، يتبادلون الأسرار على قصاصات ورقية تُمحى بعد دقائق كما لو أنهم عادوا إلى دهاليز الحرب الباردة الأولى.   ما يحدث اليوم اعتراف صامت بأن العالم دخل طورًا جديدًا من الصراع؛ طورًا أصبحت فيه المعلومة أخطر من الصاروخ، وأشد فتكًا من حاملات الطائرات. في بكين، لم يعد الخوف الأميركي من التنصت مجرد هاجس أمني عابر، بل عقيدة كاملة تحكم حركة الوفود الرسمية.  فكل هاتف يدخل الأراضي الصينية يُعامل بوصفه مشروع اختراق محتمل، وكل إشارة إلكترونية تُعد نافذة مفتوحة أمام أجهزة المراقبة السيبرانية.  ولهذا حمل المسؤولون الأميركيون معهم هواتف “للاستخدام المؤقت”، جرى تنظيفها رقميًّا وإعدادها للعمل لساعات محدودة، على أن تُمحى بياناتها بالكامل فور انتهاء المهمة، وكأنها أدوات استخباراتية في فيلم تجسس لا في زيارة دبلوماسية رسمية. ولم تتوقف الإجراءات عند حدود تبديل الهواتف. فقد فُرض حظر شبه كامل على استخدام الشبكات المحلية، وتجنبت البعثة الاتصال بأي شبكة لاسلكية داخل الصين، فيما جرى الاعتماد على قنوات اتصال مشفرة تمر عبر منظومات أميركية معزولة.  حتى الاجتماعات الحساسة لم تعد تُدار بالصوت المرتفع، بل بالتدوين اليدوي والرسائل الورقية التي تُتلف فور قراءتها، خشية التقنيات القادرة على التقاط الذبذبات وتحويلها إلى كلمات مفهومة بواسطة الذكاء الاصطناعي. ذلك التحول الدراماتيكي يعكس حقيقة أكبر من مجرد إجراءات احترازية؛ إنه إعلان غير مباشر بأن ميزان التفوق الرقمي العالمي لم يعد محسومًا بالكامل لصالح الغرب. فالصين، التي كانت قبل عقود مجرد مصنع ضخم للبضائع الرخيصة، تحولت اليوم إلى قوة إلكترونية هائلة تبني منظومة مراقبة تُوصف بأنها الأوسع والأكثر تعقيدًا في التاريخ الحديث. كاميرات التعرف على الوجوه لم تعد تكتفي بتحديد الهوية، بل أصبحت تحلل السلوك والانفعالات وأنماط الحركة، فيما تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي على جمع ملايين الإشارات الدقيقة لبناء “خرائط تنبؤية” لتحركات الأفراد واتصالاتهم. (اقرأ المقال كاملا بالموقع الإلكتروني) أما وزارة أمن الدولة الصينية، فقد تحولت في نظر دوائر الأمن الغربية إلى خصم رقمي بالغ الخطورة، يمتلك قدرات هائلة في الاختراق وجمع البيانات وتحليلها، مستفيداً من استثمارات ضخمة ضختها بكين في الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة والأمن السيبراني.  وبينما كانت واشنطن تعتقد لسنوات أنها تحتكر الهيمنة التقنية، اكتشفت فجأة أن “التنين الصيني” لا ينافسها في الأسواق فقط، بل يزاحمها على عرش السيطرة على الفضاء الرقمي ذاته.

المفارقة الأكثر إثارة أن هذا الصراع يندلع بالشيفرات والخوارزميات والكاميرات والهواتف المحمولة. إنها حرب باردة جديدة، لكن جبهتها هذه المرة غير مرئية، وجنودها مهندسو البرمجيات وخبراء البيانات.  وفي قلب الحرب، تبدو الورقة والقلم — بكل بدائيتهما الظاهرة — آخر ملاذ تلجأ إليه القوة الأعظم في العالم، هربًا من عين إلكترونية لا تنام.