كيف فرض التحول الرقمي بداية نهاية الوسيط العقاري؟

| عبدالله مراد

ما‭ ‬زلت‭ ‬أذكر‭ ‬بداياتي‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العقاري‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الإعلانات‭ ‬الورقية‭ ‬البسيطة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬حركة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬كنت‭ ‬أضع‭ ‬إعلانًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬في‭ ‬نشرة‭ ‬الإعلانية‭ ‬المجانية‭ ‬“الوسيط”،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬يصدر‭ ‬العدد،‭ ‬كانت‭ ‬الاتصالات‭ ‬تتدفق‭ ‬بكثافة‭ ‬لدرجة‭ ‬أنني‭ ‬أحيانًا‭ ‬اضطر‭ ‬لإغلاق‭ ‬الهاتف‭ ‬لتفادي‭ ‬الإزعاج‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الاستفسارات‭. ‬يومها،‭ ‬كانت‭ ‬السوق‭ ‬تعيش‭ ‬الانتعاش‭ ‬والطفرة‭ ‬العقارية،‭ ‬وكانت‭ ‬الوسائل‭ ‬محدودة،‭ ‬لكنها‭ ‬فعّالة‭.‬

في‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬الوسيط‭ ‬العقاري‭ ‬أشبه‭ ‬بـ“الدلال”‭ ‬التقليدي؛‭ ‬يعرض‭ ‬ويتنقل‭ ‬بين‭ ‬العقارات،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬قيمته‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الخيارات‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬للعقارات‭ ‬ومدى‭ ‬وسع‭ ‬علاقاته‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فقد‭ ‬اختصرت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭. ‬فالمنصات‭ ‬العقارية‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أصبحت‭ ‬توفر‭ ‬للعميل‭ ‬معظم‭ ‬المعلومات‭ ‬بضغطة‭ ‬زر،‭ ‬من‭ ‬مقارنة‭ ‬الأسعار،‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬تفاصيل‭ ‬المناطق،‭ ‬وحتى‭ ‬مشاهدة‭ ‬العقار‭ ‬عبر‭ ‬التصوير‭ ‬الاحترافي‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الإعلان‭ ‬التقليدي،‭ ‬بل‭ ‬دخل‭ ‬مرحلة‭ ‬تحول‭ ‬رقمي‭ ‬أعادت‭ ‬تعريف‭ ‬دور‭ ‬الوسيط‭ ‬العقاري‭ ‬نفسه،‭ ‬وغيرت‭ ‬طريقة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬العملاء‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬قراراتهم‭. ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬السريع‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬مهمًا‭: ‬ما‭ ‬مستقبل‭ ‬الوساطة‭ ‬العقارية؟

من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬فإن‭ ‬الدور‭ ‬التقليدي‭ ‬الذي‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬عرض‭ ‬العقارات‭ ‬والتعريف‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬سينتهي‭ ‬قريبًا،‭ ‬لأن‭ ‬المعلومة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬حكرًا‭ ‬على‭ ‬أحد‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬سيظهر‭ ‬دور‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬واحترافية،‭ ‬دور‭ ‬المستشار‭ ‬العقاري‭. ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يبيع‭ ‬العقار‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يقرأ‭ ‬السوق،‭ ‬ويحلل‭ ‬الاتجاهات،‭ ‬ويقدم‭ ‬المشورة‭ ‬الصادقة‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬العميل‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الأنسب‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬الخبرة‭ ‬والمعرفة،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬كثرة‭ ‬العروض‭ ‬فقط‭.‬

وأتذكر‭ ‬نقاشًا‭ ‬دار‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬أحد‭ ‬الزملاء،‭ ‬مؤسس‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬المنصات‭ ‬العقارية‭ ‬أثناء‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬سيتي‭ ‬سكيب‭ ‬البحرين‭ ‬2024،‭ ‬حين‭ ‬تطرقت‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬إدخال‭ ‬تقنيات‭ ‬التصوير‭ ‬360‭ ‬والواقع‭ ‬الافتراضي‭ ‬في‭ ‬المنصات‭ ‬العقارية،‭ ‬لأنني‭ ‬شخصيًّا‭ ‬أتوقع‭ ‬بأن‭ ‬انتشار‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬مسك‭ ‬الختام‭ ‬للطريقة‭ ‬التقليدية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تغير‭ ‬سلوك‭ ‬العميل‭ ‬بعد‭ ‬الجائحة،‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬يبحث‭ ‬ويعاين‭ ‬ويقارن‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقرر‭ ‬زيارة‭ ‬العقار‭. ‬يومها‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬يتغير‭ ‬بسرعة،‭ ‬وأن‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يواكب‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬خارج‭ ‬المنافسة‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬التقنيات‭ ‬الرقمية‭ ‬ستلغي‭ ‬دور‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العقاري،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬ستعيد‭ ‬تعريف‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬وتمنحه‭ ‬بُعدًا‭ ‬أكثر‭ ‬احترافية‭. ‬فالمرحلة‭ ‬القادمة‭ ‬لن‭ ‬تُقاس‭ ‬بكثرة‭ ‬الإعلانات‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬المعروض،‭ ‬بل‭ ‬بقدرة‭ ‬الوسيط‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬قيمة‭ ‬حقيقية‭ ‬للعميل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الخبرة،‭ ‬والمصداقية،‭ ‬وفهم‭ ‬السوق‭ ‬بعمق‭. ‬فالوسيط‭ ‬الذي‭ ‬يكتفي‭ ‬بعرض‭ ‬العقارات‭ ‬فقط،‭ ‬قد‭ ‬يتراجع‭ ‬حضوره‭ ‬مع‭ ‬الوقت،‭ ‬أما‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحليل،‭ ‬وشرح‭ ‬الأنظمة‭ ‬بوضوح،‭ ‬وتقديم‭ ‬المشورة‭ ‬الصادقة،‭ ‬فسيبقى‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬واستمرارًا‭. ‬لأن‭ ‬العميل‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬عقار‭ ‬فحسب‮…‬‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬إنسان‭ ‬ذي‭ ‬مشاعر‭ ‬يمنحه‭ ‬الثقة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يمنحه‭ ‬الخيار‭.‬ * خبير عقاري