وصية برلسكوني

| محمد عبدالله العلي

 عندما فُتِحَت وصية رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق، ورجل الأعمال سيلفيو برلسكوني أمام كاتب العدل تبيَّن أنه قَسَّم ثروته كالتالي: 100 مليون يورو لشريكته مارتا فاسينا، ومبلغ مماثل لأخيه باولو، ولأبنائه الخمسة حصته في شركة فينينفست الإعلامية القابضة، ونادي مونزا الإيطالي، وشركة لإدارة الأصول. لكن شخصًا آخر من خارج العائلة وَرَدَ اسمه في الوصية، وهو ما بدا لافتًا. فقد نال صديقه المُقرَّب مارسيلو ديلوتري حصة بقيمة 30 مليون يورو من التَّرِكَة. لقد عاش ديلوتري إلى جانب برلسكوني شبابه وكهولته بدون مُنغِّصَات تُذكَر. وقد كَتَبَ برلسكوني في الوصية إلى جانب المبلغ المُوصَى به عبارة لافتة (وهي الأهم في الموضوع): “أعطيه هذا المال تقديرًا للحب الذي كنتُ أحمله له، والحب الذي كان يَكنّه لي”. ردة فعل ديلوتري أنه بَكَى عندما عَلِمَ بذلك. ثم عَلَّق قائلاً: لا يمكن اختصار علاقتي ببرلسكوني بالمال، فما كان يجمعنا طيلة عقود هو الحب، وهو أكبر بكثير من المال.  لا أود الاستغراق في المُوصِيْ والمُوْصَى إليه، وطريقة وفائه له، ولا في تقديم الرجلين كأشخاص مثاليين، لكن ما يهم في الموضوع هو الحديث عن أهمية الصديق في حياة المرء، وكيف يؤدي هذا “الكائن الفريد” دوره بفعالية في الدعم الاجتماعي، والنفسي، والمادي للإنسان بدون أنانية، وهو كلمة السر في البرزخ الفاصل بين الصداقة الحقيقية والزائفة. فجوهر الصداقة هو “فِعْل مدّ اليد للآخر” وقبل ذلك هي “فِعْل العثور على يدٍ تُمسِك بيدك”. لذلك، الأصدقاء ليسوا “وفرة”، بل هم قلَّة مختارة، والمحافظة عليهم مهمة عسيرة، كونها تتضمن التزامات صعبة قد لا يتحملها الكثير من الناس عندما تصل الأمور إلى حدود يجب عليهم أن يُفاضِلوا فيها بين ما عندهم والشخص الذي انتَجَبوه، حتى ولو على حساب أنفسهم. وكما ذَكَرَ الراغب أن فلانًا يحتسي المر، ويسقي إخوانه العذب.  

وأختم بموقف (قد يراه البعض طوباويًا ولكنه لافت في سِعَة النية) وهو لـ يحيى بن طلحة عندما قالت له زوجته: أما ترى أصحابك، إذا أيْسَرتَ لزموك، وإذا أعسَرتَ تركوك؟ فقال: هذا من كرمهم، يأتوننا في حال القوة منا على الإحسان إليهم، ويتركوننا في الضعف عنهم.

*كاتب بحريني