“حنظلة” وولاية الفقيه... من هنا بدأت الحكاية!

| سيد ضياء الموسوي

نار مشتعلة تحت الرماد، بقايا شظايا تشكلت كحزن أبدي على وجه طفل ملقى على رصيف، شاب سقط من شجرة الحياة ميتا كقطعة مانكو مغطى بشهادته الجامعية تحولت شهادته إلى كفن، أمّ تولول تلطم على رأسها عقدت كلماتها صفقة أبدية مع البكاء، وأب يخفي وجها أضنته السنون من قسوة جمع الزاد للفتية الصغار راح يدس وجهه في حضن أشبه بحفرة عميقة من بؤس الوجود. كل هذا المشهد التراجيدي الذي يعكس مهزلة الوجود، وعبثية الحياة التي تقود إلى نفق العدمية، جاء نتيجة بقايا شظايا لقنبلة فكرة قاتلة اسمها “ولاية الفقيه”، ومسبب كل هذا الدم المتخثر على حجارة المشهد والشهادة الممزقة والعائلة المهترئة رجل يلبس قناعا احترف المصيدة، وكتب السيناريو، وساهم في احتراق أصابع احترفت صناعة أعواد مشنقة للشيعة وأبنائهم. إنه “حنظلة”، حنظلة لم يوفر حنظلا يسقيه العالم وخصوصا الشيعة طيلة 1300 عاما. حنظلة راوٍ مغمور جاء من العدم، ركَّب ولفق رواية على لسان الإمام الصادق (ع)، وادعى فيها أن الفقيه يمكن أن يكون “حاكما”، أي قاضيا لا حاكم دولة، بالطبع قبل أن يتلقف الإيرانيون الرواية وينفخوا فيها سياسيا ويحولوها إلى موظف “فل تايم” لخدمة مصالح إيران، وادعوا أن الحاكم هو “الولي على العالم” جاعلين العالم كأنهم مجرد أطفال في مدرسة هو ولي أمرهم، وإن لم يعرف عنه شيئا. ورغم التباس فهم الرواية، حيث إن جميع فقهاء الشيعة قالوا حتى قوله “حاكما” يقصد قاضيا؛ لأن لفظة حاكم تطلق في ذلك الوقت على القاضي. أقول: تلقف الإيرانيون الرواية “المقبولة”، لا هي متواترة ولا متناسقة مع ألف باء أصول المذهب، وهي مغمورة لدرجة أن سلسلة كل تاريخ الفقهاء الشيعة لا يعترفون بها أو لا يرونها تستحق العناية. الإيرانيون وهم ينبشون دفاتر التاريخ تلقفوها، ولم تعجبهم كل التفاسير. أخذوها لمحل خياطة فقهي، أجروا عليها عمليات جراحية لتتناسب مع الحكم الإيراني، وكان الثوب الجاهز لزفة عرس الدم كانت كالتالي: حاكم العالم لابد أن يكون “فقيها” يعني “المرشد”، وفي دولة دينية يعني “إيران” وولي أمر العالم مثل “الأب” وهم أشبه بأطفال يتامى وإن لم يعرفوا عنه شيئا، وتصبح ولاية الفقيه ولاية حكم فقيه على المسلمين سنة وشيعة تحت مسمى “ولي أمر المسلمين”. يا لله والجرأة..  ولي أمر كل المسلمين مرة وحدة دون مقدمات؟ معقول؟ كيف؟ ومَن قبِل ورضي وأخذ رأيه من العالم في وضع وصلاحية وضخامة المنصب من السنة أو الشيعة؟ لا أحد. هكذا نجح حنظلة “عمر بن حنظله” راوي السند في رواية مغمورة بالية مهترئة، في أن يصنع قنبلة سندية فقهية تلقفتها إيران وطرزتها بمقاساتها وزرعتها زرعا وبالقوة في الجسد الفقهي الشيعي، حتى تحولت إلى نظرية في كتاب “الحكومة الإسلامية”، فتحولت إلى حرس ثوري وفيلق قدس وراحت قنبلة حنظلة “تحنظل“ كل حلاوة في العالم وتحوله إلى مرارة وحنظل ككرة النار تتنقل من بيئة شيعية إلى بيئة شيعية تفجر بيوتا، تصنع نعوشا وتخلف أرامل ويتامى، وتحرق مدنا وتبتلع كطاعون لا يمل من ابتلاع الجثث وأكل لعب الصغار وأحلام الفتية وعرق الكبار، كلما حل حنظلة بروايته مكانا صنع ضحايا تلقى على حجر، وتكايا من بشر، ومن يقع في فخه فلا ينام إلا على حجر. حنظلة أسس الرواية وباعها في دكان التاريخ، التقطها الإيرانيون بعد أن رفضها كل الشيعة من المرجع الخوئي إلى المرجع محسن الحكيم إلى المرجع محمد مهدي الشيرازي إلخ؛ لأنهم يعلمون خطورتها، وماذا ستفعل بمن يقترب منها أو يؤمن بها. ولاية الفقيه لفقيه ليس له حق في الولاية. هكذا منذ وصول طاعون ولاية الفقيه والولاية التي فصلت في محل الخياطة الإيراني والآلاف ماتوا في لبنان لأجل صالحي درزية طهران، ومئات الآلاف ماتوا في إيران بسببها، وفي العراق واليمن، وهكذا هي آلة موت لا تشبع من التهام الجثث وقذف الضحايا على الخريطة العالمية شهودا على حزن أبدي لنظرية حنظلة، التي لا تقودك إلا إلى سجن أو مقبرة أو منفى، أو تصبح نصف حي ونصف ميت بسبب إصابة خطيرة، وتكون شاهدا على موت في ممر أو حياة مريرة في وسط المنطقة المميتة. رحم لا ينجب إلا ضحايا تلقى على نعش متدل على رقبة هذا الكون الكبير، وبقايا نعش ممزق على الكرة الأرضية بلا سترة نجاة، وبلا كرة لعبة طفل يتيم وبلا أرض في وضع عبثي غريب، كأنك بطل قصة البيركامو في رواية الغريب. ولاية تشبه قصة العجوز التي تبتلع الناس ظلما في رواية دوستويفيسكي “الجريمة والعقاب”. هكذا هي الجثث بين قداسة المقدس، ونجاسة المسدس بين حنظة حانوت المقبرة والأرباح من بيع الأكفان في البازار الإيراني الذي لم يشبع من أكل العوائل الشيعية. تم الترويج لمفهوم “الشهادة” لاصطياد مزيد من الشباب الشيعي في شباك الموت العبثي، وتحولت الشهادة إلى فخ كوني يخطف الفتية الصغار من أحلامهم، حنظلة كان له قوانينه الصارمة كقوانين معسكر نازي ويسعى لتهيئتك عبر قوانين: أولها: لا تحب وطنك، لا تبايع حاكمك، لا تؤمن بوطنيتك، لا تكن أنيقا، اكره الحياة، لا تجلس في مقهى فيه موسيقى، لا تذهب إلى جامعة فيها اختلاط، لا تصفق في العيد، لا تعمل في شركة فيها فتاة، لا تسرح شعرك، لا تسافر لدولة “كافرة”، لا تسمع أغاني عاطفية ترقق قلبك، لا تجلس مع أي أحد من وطنك، واكره أي مخالف معك في الرأي، سنيا كان أو شيعيا، شيرازيا أو يحب فضل الله أو كمال الحيدري أو أي أحد من الآخر، هكذا حزمة أوامر محرمة تفرض كأعواد مشانق في كل مكان، وفي كل موقع مع مجموعة شرطة عقيدة مدربة بسياط جلد السمعة والحصار الاجتماعي القاتل، ولهم حق حصار لمن يخرج عن معسكر حنظلة. هناك جدار خوف فرض من قبل حنظلة منذ الثمانينات في كل مجتمع شيعي بشرطة دينية لولاية الفقيه، ومن يخرج على الجدار سيكون مصيره مقصلة تشويه السمعة أو الحصار الاجتماعي الخانق، وقد تجلد سمعته في المواكب الحسينية التي تم تسييس بعضها بسياط بعض الرواديد، ونحن في البحرين شهدنا ذلك، كيف تم جلد سمعة الشيخ سليمان المدني والشيخ أحمد خلف العصفور وحوصرت قرية جدحفص لسنين طوال بشكل مرعب سبا وشتما وإقصاء وحربا لا مثيل لها. حدث نفس الأمر مع مقلدي الشيرازي؛ لأن الشيرازي ضد إيران ومرجعيتها، وحدث ذلك مع عشرات العشرات. ولاية الفقيه “كودزيلا ديني” (Godzilla)، لا يجيد إلا تكسير المدن وضرب الأبراج وشهوة قتل المدن الجميلة كدبي المدينة الحسناء وبقية المدن الجميلة من الخليج. حنظلة يجيد اللعب بأعواد الكبريت، والذي يوزعه بين المدن العربية.. إنه يصلي لكن بوضوء من دم في محراب جثث الموتى الحالمين ومكسري الأضلاع والأحلام. حنظلة الاستغلالي المستغل، أعطى رواية مبهمة الفهم لخلطة السم، والإيراني حاول استغلال ضبابية الفهم فخرج بتفسير يعطيه صلاحية الولاية على العالم كأن العالم بكل ما يمتلك من حضارة ومعرفة وتطور مجرد قطيع لأجل العباءة. الرواية تدل في أحسن الأحوال على جعل رجل الدين قاضيا لا مطلق صلاحيات على شيك بياض على رقبة العالم في صلاحية استخدام ريشة ناعمة أو شفرة حلاقة حادة.  لو افترضنا الفقيه شخصا خارقا مثل انشتاين أو اسبينوزا أو فوكو أو نيوتن أو فولتير، هل هو قادر على إدارة دولة؟ هل هو مؤهل لإدارة اقتصاد؟ هل يفهم في السياسة الدولية والعلوم الإنسانية، وفهم توازنات الوجود؟ لا. وكارثية النتائج على الواقع دليل على كارثية سياساته، فنتائج الكوارث البشرية في لبنان والعراق واليمن وسوريا خير دليل على فشل ولاية الفقيه، وما وصلت إليه إيران من دمار دليل على أن الفقيه مكانه المسجد لا إقامة دولة. إيران تمادت حتى على صلاحيات الأئمة الاثني عشر للشيعة عندما سلمت كل صلاحيات الأئمة للولي الفقيه وكأنه “معصوم”، فله “الحق” كما تدعي أنه يمتلك صلاحية توقيف فريضة مثل الحج. هل تتصورون حجم الخطورة والتشويه التي وصل إليه التدخل الإيراني للسيطرة على العالم خصوصا الشيعة؟ ثانيا: لا أحد يستطيع أن يراقب المرشد، ومجلس الخبراء فقط مجلس شكلي. من يراقب الفقيه لو أخطا؟ يقولون مجلس الخبراء، وكيف يراقب مجلس فقيها هو الذي اختاره بـ ”فلترشن“ وعناية؟ وهل سمعتم بكل تاريخ إيران أن فقيها سمح له بنقد ولاية الفقيه ولو بخطاب حضاري؟ لا. والدليل تراكم المظلومين من المراجع الذين أقصوا فقط لأنهم رفضوا “الولاية” أو سجنوا أو صفوا، فمن المرجع شريعتمداري إلى المرجع منتظري إلى الشيرازي وكل أهله وأبنائه وأحفاده، الذين مات بعضهم بشكل غامض مريب، إلى المرجع فضل الله، إلى المرجع كمال الحيدري، إلخ. هكذا هي الولاية التي انتقلت من المرشد إلى الحرس الثوري الآن تحت سؤال: من يقود من؟ هل تعلمون أنهم يرددون أحاديث مهربة من التاريخ في صناديق مطلقة من قبيل و”الراد على الفقيه كالراد على رسول الله” يعني “انجب” ولا تتكلم و “لعن الله الشاك” يقول نزار قباني في قصيدته: وهكذا يا سادتي الكرام قضيت عشرين سنة.. أعيش في حضيرة الأغنام أعلف كالأغنام أنام كالأغنام أدور كالحبة في مسبحة الإمام أعيد كالببغاء،  كل ما يقول حضرة الإمام لا عقل لي.. لا رأس.. لا أقدام.. أستنشق الزكام من لحيته والسل من العظام قضيت عشرين سنة مكوما.. كرزمة القش على السجادة الحمراء أُجلد كل جمعة بخطبة غراء أبتلع البيان، والبديع،  والقصائد العصماء أبتلع الهراء.. عشرين عاما.. وأنا يا سادتي أسكن في طاحونة ما طحنت قط سوى الهواء.. والسؤال: هل سيتم تحرير الأوساط الشيعية من فكرة ولاية الفقيه من قبل كل الذين قمعوا منها من مثقفين ومفكرين وينشرون الفكر الحداثوي الحضاري الذي يركز على القيم دون ولاية الفقيه، بل ولاية الدولة الحاضنة، ويبدأ الجميع يهنأ بالحياة بلا تمساح فكرة ولا غول أفكار ولا وحوش بشرية تأكل أصابع المثقف أو تحوله لوليمة في غابة الأفكار؟ يا سادتي الكرام..  ارجعوا لفيديوات وصور معظم الشيعة في البحرين وغير البحرين قبل انتصار إيران كيف كانوا؟ فكر منفتح حضاري، يقرأون روايات دوستويفيسكي وفرجينا وولف ويسمعون موسيقى بيتهوفن وموزارت وأنيقون في الخطاب والهندام، وفي نفس الوقت يصلون ويصومون ومواكبهم غير مسيسة، ومتحابين بلا أحزاب أو تفرقة، وفوق كل ذلك علاقة جميلة مع دولتهم، وسطيون في الدين والحياة.. جاءت إيران فاقتطعت البعض لا الكل، وكل الأمل أن نكسر حاجز الخوف لنفتح النقد على مصراعيه، ونرجع أيام السبعينات، وتعود الحياة، ويتدفق الماء في النهر.

 

‭* ‬مستشار‭ ‬هيئة‭ ‬البحرين‭ ‬للثقافة‭ ‬والآثار