اليابان بعد خمسين عاما.. التحولات والتغيرات من أجل البقاء!
| البروفيسور المؤمن عبدالله
عندما نفكر في اليابان في سبعينيات هذا القرن، فإن أول ما ينبغي النظر إليه هو “السكان”؛ فبحسب تقديرات العام 2023 الصادرة عن المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي، سيهبط عدد سكان اليابان من 126.15 مليون نسمة في العام 2020 إلى 87 مليونا في العام 2070، بينما سترتفع نسبة من هم في سن الخامسة والستين فما فوق من 28.6 % إلى 38.7 % (المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي). ولا يعني ذلك مجرد تراجع في المواليد وارتفاع في أعمار السكان، بل يعني أن شكل الدولة، وصورة المدن، وبنية الأسرة، وقاعدة الصناعة، وافتراضات الأمن القومي ستتغير في وقت واحد. لكن انخفاض عدد السكان لا يعني، بصورة آلية، انحدار الدولة. السؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى تستطيع دولة بعدد أقل من السكان أن تنتج قيمة أعلى، وأن تحافظ على أمنها، وأن تبقى مجتمعا مفتوحا؟ بعد خمسين عاما ستنتقل اليابان من “دولة تستند إلى كتلة سكانية كبيرة” إلى “دولة متقدمة أصغر حجما وأكثر شيخوخة”. وفي هذه المرحلة لن يكون المعيار الحاسم هو معدل النمو وحده، بل سرعة تغيير المؤسسات، والقدرة على إدماج التكنولوجيا في المجتمع، والقدرة على إعادة بناء المجال العام مع سكان متنوعين، بمن فيهم الأجانب. تراجع السكان ليس نبوءة عن المستقبل.. بل واقع بدأ بالفعل في اليابان العام 2070، يُتوقع أن ينخفض عدد الأطفال بين صفر و14 عاما من 15.03 مليون في العام 2020 إلى 7.97 مليون، وأن ينخفض عدد السكان في سن العمل بين 15 و64 عاما من 75.09 مليون إلى 45.35 مليون (المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي). أما عدد كبار السن نفسه فسيبلغ ذروته في العام 2043 عند 39.53 مليون، ثم ينخفض إلى 33.67 مليون في العام 2070، لكن لأن عدد السكان الكلي سيتقلص بوتيرة أكبر، فإن نسبة الشيخوخة سترتفع إلى 38.7 % (المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي). وبعبارة أخرى، لن تكون يابان ما بعد خمسين عاما “مجتمعا يزداد فيه كبار السن بلا توقف”، بل “مجتمع تتراجع فيه كل الأجيال، بينما يزداد الوزن النسبي لكبار السن”. هذا الفرق جوهري؛ فالضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، والرعاية طويلة الأمد، والتعليم، والنقل، والإسكان، والإدارة المحلية، كلها بُنيت في الأصل على افتراض مجتمع ينمو سكانيا. لكن في العام 2070 سيكون هناك 74.2 شخص في سن الخامسة والستين فما فوق مقابل كل 100 شخص في سن العمل بين 15 و64 عاما، أي أن كل مسن سيقابله 1.3 شخص فقط من الجيل العامل (المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي). في ظل هذه البنية، لا يمكن لنظام ضمان اجتماعي تقليدي يحمّل الشباب العبء الأكبر أن يستمر طويلا. وفي الوقت نفسه، ليست اليابان مجتمعا مغلقا تماما يتقلص من الداخل فقط؛ ففي العام 2070، ومع إجمالي سكان يبلغ 87 مليونا، يُتوقع أن يبلغ عدد اليابانيين 77.61 مليون؛ ما يعني أن الفارق يشير إلى وجود نحو 9.39 مليون من الأجانب وغيرهم (المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي). وهذا يعني أن المجتمع الياباني بعد خمسين عاما، حتى لو تجنب استخدام كلمة “سياسة هجرة”، سيكون في الواقع مجتمعا متعدد القوميات والثقافات. وعلى مستوى العالم، ليست تحولات اليابان ظاهرة معزولة؛ فتقرير “الأمم المتحدة” عن آفاق السكان في العالم للعام 2024 يتوقع أن يرتفع عدد سكان العالم من 8.2 مليار في العام 2024 إلى ذروة تقارب 10.3 مليار في منتصف ثمانينيات القرن الحالي، ثم يبدأ بعد ذلك في الانخفاض التدريجي (تقرير “الأمم المتحدة” عن آفاق السكان في العالم 2024). كما يتوقع التقرير أن يصل عدد من هم في سن الخامسة والستين فما فوق في العالم إلى 2.2 مليار في أواخر سبعينيات هذا القرن، متجاوزا عدد الأطفال دون سن الثامنة عشرة (تقرير “الأمم المتحدة” عن آفاق السكان في العالم 2024). بهذا المعنى، تمثل اليابان “مختبرا متقدما للشيخوخة” في العالم، ونجاحها أو فشلها سيصبح، عاجلا أو آجلا، مرجعا لدول كثيرة. كما يصنف جهاز البحوث في البرلمان الأوروبي اليابان باعتبارها “المجتمع الفائق الشيخوخة الأكثر تقدما في العالم”، ويرى أن الشيخوخة وتراجع السكان يفرضان ضغوطا متزامنة على الاقتصاد، والمالية العامة، وسوق العمل، والمناطق الريفية التي تعاني التفريغ السكاني (خدمة أبحاث البرلمان الأوروبي). وتشير هذه الدراسة أيضا إلى أن اليابان تقف في طليعة تطوير الروبوتات لمواجهة تراجع قوة العمل ورعاية المسنين، لكنها في الوقت نفسه مازالت محدودة في قبول الهجرة، وأن جهود الحكومة لمعالجة الأزمة السكانية لم تحقق بعد نتائج كافية (خدمة أبحاث البرلمان الأوروبي). هذا التقييم الخارجي يوضح أن مشكلة اليابان ليست شأنا داخليا فقط، بل تجربة مؤسسية ستواجهها، بدرجات مختلفة، معظم الدول المتقدمة. محور الاقتصاد لن يكون عدد السكان.. بل إنتاجية الفرد لكي تحافظ اليابان على حجمها الاقتصادي في ظل انخفاض عدد السكان، لا مفر من رفع إنتاجية الفرد. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في اليابان 0.7 % بالعام 2025، و0.4 % بالعام 2026. وترى أن مواجهة الرياح المعاكسة الديموغرافية تتطلب استثمارات موفرة للعمالة، واستثمارات معززة لقدرة العاملين، وتوسيعا للتوظيف، ورفعا للإنتاجية (توقعات الاقتصاد لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2025)؛ فالنقص في العمالة ليس مشكلة دورية مرتبطة بمرحلة اقتصادية عابرة، بل شرط بنيوي سيستمر عقودا. وبحسب توقعات التوظيف الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد انخفض عدد السكان في سن العمل في اليابان من 87.3 مليون عند ذروته العام 1995 إلى 73.7 مليون بالعام 2024، أي بانخفاض قدره 16 %، ومن المتوقع أن ينخفض مرة أخرى بنسبة 31 % بين العامين 2023 و2060 (توقعات التوظيف لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2025: اليابان). وفي المقابل، ارتفع معدل توظيف من تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عاما من 68.7 % بالعام 2014 إلى 79.2 % بالعام 2024؛ ما يدل على أن الانتقال إلى مجتمع يواصل فيه كبار السن العمل قد بدأ بالفعل (توقعات التوظيف لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2025: اليابان). وبعد خمسين عاما، لن يعود مفهوم “سن العمل” محددا بالعمر وحده، بل بالصحة، والمهارة، ونمط العمل، والقدرة على التعاون مع الذكاء الاصطناعي. لذلك لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد صناعة جديدة، بل سيصبح بنية تحتية أساسية لدولة يتراجع عدد سكانها؛ فقد وضعت الخطة الأساسية للذكاء الاصطناعي في اليابان استخدام الذكاء الاصطناعي في صلب مواجهة تحديات تراجع السكان، ونقص الاستثمار المحلي، وركود الأجور، ودعت إلى تطبيقه اجتماعيا في مجالات الصحة، والرعاية، والتعليم، والوقاية من الكوارث، والتصنيع، واللوجستيات، والنقل العام، والدفاع (الخطة الأساسية للذكاء الاصطناعي في اليابان). وتعترف الخطة بأن اليابان متأخرة في الاستثمار والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنها تسعى إلى جعل “الذكاء الاصطناعي الموثوق” محورا تنافسيا للبلاد (الخطة الأساسية للذكاء الاصطناعي في اليابان). ويرى كينجي كوشيدا الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن الشيخوخة الشديدة وانكماش السكان في اليابان لا ينبغي أن يُنظرا إليهما كأزمة فقط، بل أيضا “كفرصة تكنولوجية” (مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي). ويشرح أن نقص العمالة في اليابان يدفع إدخال التكنولوجيا في اتجاهين: الأتمتة من جهة، وتعزيز مهارات العاملين من جهة أخرى، وأن هذا يحدث بالفعل في البناء، والنقل، والزراعة، والرعاية الصحية وطويلة الأمد، والقطاع المالي (مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي)؛ ففي الزراعة، على سبيل المثال، يبلغ متوسط عمر العاملين الأساسيين 69.5 عام، وفي قطاع البناء تبلغ نسبة من هم في سن الخامسة والخمسين فما فوق 36 %؛ ما يجعل البنية العمرية نفسها قوة دافعة لإدخال التكنولوجيا (مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي). هنا لا ينبغي لليابان أن تكتفي بمحاولة اللحاق بنموذج المنصات الرقمية العملاقة على الطريقة الأميركية. المعركة الحقيقية ستكون في المجالات التي تتطلب تعقيدا ميدانيا وثقة عالية: روبوتات الرعاية، والبيانات الطبية، والاستجابة للكوارث، والتصنيع الدقيق، والزراعة، والنقل، والخدمات الإدارية. جوهر الاقتصاد الياباني بعد خمسين عاما سيكون في القدرة على تحويل “النظام الاجتماعي القادر على العمل رغم انخفاض السكان” إلى معرفة قابلة للتصدير. المالية العامة والضمان الاجتماعي.. إعادة صياغة العقد بين الأجيال ستكون القيود المالية عبئا ثقيلا على مستقبل اليابان. فبحسب بيانات وزارة المالية للعام 2025، من أصل إنفاق عام يبلغ 115.2 تريليون ين، تمثل نفقات الضمان الاجتماعي 38.3 تريليون ين، وتمثل خدمة الدين العام 28.2 تريليون ين، بينما تبلغ الإيرادات المعتمدة على إصدار السندات 28.6 تريليون ين، أي 24.9 % من إجمالي الإيرادات (وزارة المالية اليابانية: حقائق المالية العامة). ومن المتوقع أن يبلغ رصيد الديون طويلة الأجل للحكومة المركزية والحكومات المحلية 1,330 تريليون ين في نهاية السنة المالية 2025، أي ما يعادل 211 % من الناتج المحلي الإجمالي (وزارة المالية اليابانية: حقائق المالية العامة). وتجعل الشيخوخة هذه المشكلة أكثر تعقيدا؛ فمن المتوقع أن تبلغ نفقات الضمان الاجتماعي في السنة المالية 2025 نحو 137.8 تريليون ين، بينما كانت النفقات الطبية السنوية للفرد ممن هم في سن الخامسة والسبعين فما فوق بالعام 2022 تعادل نحو 4.5 أضعاف نفقات من هم في سن الرابعة والستين فما دون، كما بلغت نفقات الرعاية للفرد ممن هم في سن الخامسة والسبعين فما فوق نحو تسعة أضعاف نفقات الفئة بين 65 و74 عاما (وزارة المالية اليابانية: حقائق المالية العامة). وكلما تقلص السكان، وطال العمر، وتقدمت التكنولوجيا الطبية، أصبح من المستحيل تجنب سؤال العلاقة بين الأعباء والمنافع. ويحذر صندوق النقد الدولي بوضوح من هذه النقطة؛ ففي مؤتمر صحافي بشأن مشاورات المادة الرابعة مع اليابان بالعام 2025، أوضح الصندوق أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان ما تزال مرتفعة، وأن ذلك يحد من الحيز المالي المتاح لمواجهة صدمات مستقبلية مثل الكوارث الطبيعية (صندوق النقد الدولي: مؤتمر صحفي حول اليابان). كما أكد الصندوق أن تكاليف الفائدة، ونفقات الصحة والرعاية طويلة الأمد بعد العام 2030، ستدفع نسبة الدين إلى الارتفاع، ولذلك فإن إعادة ضبط المالية العامة ينبغي أن تبدأ “الآن”، عبر إطار متوسط الأجل واضح يشمل جانبي الإيرادات والإنفاق (صندوق النقد الدولي: مؤتمر صحفي حول اليابان). وفي الوقت ذاته، يرى الصندوق أن التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي يمكن أن ترفع إنتاجية العمال وتخفف نقص العمالة، لكن ذلك يتطلب تدريبا لجميع الفئات العمرية (صندوق النقد الدولي: مؤتمر صحفي حول اليابان). لذلك لن يكون السؤال في اليابان بعد خمسين عاما مجرد اختيار بين زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق. المطلوب هو مزيج متكامل: سياسات صحية تمكّن الناس من العمل لفترة أطول، وطب وقائي، ورعاية مجتمعية شاملة، وإدارة رقمية، وتوزيع عادل للأعباء بحسب الدخل والثروة، وإدماج الأجانب أيضا كدافعي ضرائب ومساهمين في أنظمة التأمين. إن إصلاح المالية العامة لن يكون عملية حسابية باردة، بل قضية سياسية لإعادة بناء الثقة بين الأجيال. الطاقة والمناخ.. سياسة صناعية بامتياز لا يمكن التفكير في اليابان بعد خمسين عاما بمعزل عن الطاقة؛ فالخطة الاستراتيجية السابعة للطاقة تستهدف خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 60 % في السنة المالية 2035 مقارنة بالعام 2013، وبنسبة 73 % في السنة المالية 2040، وتحقيق الحياد الكربوني بالعام 2050 (وكالة الموارد الطبيعية والطاقة: الخطة الاستراتيجية السابعة للطاقة). كما تشير الخطة إلى أن نسبة الاكتفاء الذاتي من الطاقة في اليابان بلغت نحو 12.6 % في السنة المالية 2022، وأنها قد ترتفع إلى نحو 30 أو 40 % في السنة المالية 2040 إذا تحقق تصور العرض والطلب على الطاقة (وكالة الموارد الطبيعية والطاقة: الخطة الاستراتيجية السابعة للطاقة). لكن الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات يغيران أيضا افتراضات الطلب على الكهرباء؛ فالخطة الاستراتيجية السابعة للطاقة تشير إلى أن طلب الكهرباء، الذي كان يتجه إلى الانخفاض منذ السنة المالية 2007، يُتوقع أن يعود إلى الارتفاع بعد السنة المالية 2024 بسبب التحول الرقمي، والتحول الأخضر، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وإنشاء مصانع أشباه الموصلات (وكالة الموارد الطبيعية والطاقة: الخطة الاستراتيجية السابعة للطاقة). وهذا يعني أن تراجع عدد السكان لا يعني بالضرورة تراجع طلب الطاقة. هنا تكمن معضلة اليابان؛ فإزالة الكربون تتطلب الجمع بين الطاقة المتجددة، والطاقة النووية، والهيدروجين، والأمونيا، واحتجاز الكربون وتخزينه، وشبكات النقل الكهربائي، وتقنيات التخزين، لكن إذا ارتفعت أسعار الطاقة كثيرا، ستفقد الصناعة قدرتها التنافسية، وإذا تزعزع أمن الإمدادات، سيتأثر الأمن القومي. لذلك ستتوقف ثروة اليابان بعد خمسين عاما، بدرجة كبيرة على قدرتها على تأمين كهرباء رخيصة ومستقرة ومنخفضة الكربون. وفي هذا المجال، تكتسب تقديرات مراكز التفكير التي تختلف عن خطط الحكومة أهمية خاصة؛ فمؤسسة الطاقة المتجددة في اليابان تعرض سيناريو يمكن فيه، عبر استخدام إمكانات الطاقة الشمسية والرياح المحلية، تأمين أكثر من 90 % من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول العام 2040، ورفع الاكتفاء الذاتي من الطاقة من نحو 13 % حاليا إلى نحو 60 % (مؤسسة الطاقة المتجددة). كما ترى المؤسسة أن خفضا كبيرا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ممكن من دون الاعتماد على الطاقة النووية أو الفحم، وأن تحقيق نسبة 80 % من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول العام 2035 يمكن أن يخفض تكلفة الوقود الأحفوري المستخدم في توليد الكهرباء بنسبة 80 %، ويقلل تدفق الأموال إلى الخارج بنحو 4 تريليونات ين سنويا (مؤسسة الطاقة المتجددة). هذه الرؤية لا تكتفي بأهداف الحكومة البالغة 40 إلى 50 % للطاقة المتجددة، بل تدعو إلى النظر في إدخال متجددات أعلى بكثير كخيار صناعي وأمني في آن واحد. الأمن القومي سيتحول إلى “دفاع دولة قليلة السكان” سيؤثر المناخ الدبلوماسي والأمني أيضا تأثيرا عميقا في اليابان بعد خمسين عاما؛ فقد وضعت استراتيجية الأمن القومي للعام 2022 أمن اليابان في إطار “قوة وطنية شاملة” تشمل الدبلوماسية، والدفاع، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والمعلومات (استراتيجية الأمن القومي اليابانية). كما تنص الاستراتيجية على أن انخفاض المواليد، والشيخوخة، وتراجع السكان، وصعوبة الوضع المالي تمثل تحديات داخلية صعبة، وتدعو إلى تعزيز جذري للقدرات الدفاعية بالتوازي مع الأمن الاقتصادي (استراتيجية الأمن القومي اليابانية). وتتبنى اليابان سياسة تستهدف أن يبلغ مجموع تعزيز القدرات الدفاعية والإجراءات المكملة له 2 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول السنة المالية 2027، مع تطوير قدرات الرد المضاد، والدفاع بعيد المدى، والدفاع الصاروخي المتكامل، والفضاء، والفضاء السيبراني، والطيف الكهرومغناطيسي، والأنظمة غير المأهولة (استراتيجية الأمن القومي اليابانية). كما توضح الصفحة الرسمية للكتاب الأبيض الدفاعي أن نسخة العام 2025 تغطي التطورات العسكرية في محيط اليابان بين أبريل 2024 ومارس 2025، إضافة إلى جهود وزارة الدفاع وقوات الدفاع الذاتي، وتعالج تعزيز القدرات الدفاعية جذريا، وإنشاء قيادة العمليات المشتركة، وتحسين أوضاع أفراد قوات الدفاع الذاتي (وزارة الدفاع اليابانية: الكتاب الأبيض الدفاعي). أصعب ما سيواجه الأمن القومي بعد خمسين عاما هو أن التهديدات ستزداد في الوقت الذي يتراجع فيه عدد من يمكنهم تحمل عبء مواجهتها؛ فقوات الدفاع الذاتي، وخفر السواحل، والشرطة، والإطفاء، والحكومات المحلية، والصحة، والاتصالات، والموانئ، والكهرباء، والدفاع السيبراني، كلها ستتأثر بنقص الأيدي العاملة. لذلك لن يكون دفاع اليابان في المستقبل مجرد زيادة في المعدات، بل مزيج من الأنظمة غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المدنية، والتحالفات والشراكات مع الدول المتقاربة، وحماية السكان، وبناء القدرة على الصمود. وتؤكد دراسة ميتشيشيتا ناروشيغه في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) عن استراتيجية الأمن القومي اليابانية، أن تعزيز الأنظمة غير المأهولة في الجو، وعلى سطح البحر، وتحت الماء، وعلى الأرض، ضروري لتعويض نقص الموارد البشرية الناتج عن انخفاض المواليد والشيخوخة (CSIS). وتقسم الدراسة تعزيز القدرات الدفاعية اليابانية إلى سبعة مجالات: قدرات الدفاع بعيد المدى، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والأنظمة غير المأهولة، والعمليات العابرة للمجالات في الفضاء والسيبر والطيف الكهرومغناطيسي، والقيادة والسيطرة، والانتشار والتحرك، والاستدامة والصلابة (CSIS). كما تشير إلى أن كوريا الشمالية والصين تمتلكان معا أكثر من 800 صاروخ باليستي قادر على الوصول إلى اليابان، وتضع امتلاك اليابان لقدرات الرد المضاد في إطار تقليص فجوة القوة الصاروخية في المنطقة (CSIS). ثلاثة سيناريوهات ستحدد شكل اليابان بعد خمسين عاما السيناريو الأول هو “الانكماش الهادئ”. في هذا المسار تقبل اليابان بتراجع السكان، لكن الإصلاح المؤسسي يتأخر؛ فتزداد تكاليف الحفاظ على الضمان الاجتماعي، والإدارة المحلية، والبنية التحتية، والدفاع، والتعليم. في هذه الحالة ستبقى اليابان دولة غنية، لكن الدخل المتاح للأجيال الشابة سيصعب أن يرتفع، وسيتقدم تفريغ المناطق الريفية وتشيخ المدن في الوقت نفسه. السيناريو الثاني هو “مجتمع مسن تعوضه التكنولوجيا”. في هذا المسار تنتشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطب عن بعد، والقيادة الذاتية، ورقمنة الإدارة، والاستثمارات الموفرة للعمالة، بحيث يمكن الحفاظ على الصحة، والرعاية، واللوجستيات، والوقاية من الكوارث، والتعليم رغم قلة الأيدي العاملة. وتُعد مجالات تطبيق الذكاء الاصطناعي التي تذكرها الخطة الأساسية اليابانية، مثل الصحة والرعاية والتعليم والوقاية من الكوارث، والتصنيع واللوجستيات والنقل العام، قاعدة لهذا السيناريو (الخطة الأساسية للذكاء الاصطناعي في اليابان). ما يجعل هذا السيناريو واقعيا هو أن الشركات الخاصة بدأت فعلا إدخال التكنولوجيا على أساس أن نقص العمالة سيستمر؛ فتحليل كارنيغي يميز بين “الأتمتة” و “توسيع قدرات العاملين”، ويعرض أمثلة مثل معدات “كوماتسو” الإنشائية المعتمدة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والمسح بـ “الدرون”، والزراعة الذكية، والحوسبة السحابية في الطب والرعاية، بوصفها حالات تبين كيف تصوغ الديموغرافيا مسار التكنولوجيا في اليابان (مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي). لذلك فإن المجتمع التكنولوجي الياباني بعد خمسين عاما لن يكون حلما مستقبليا مجردا، بل امتداد لاستجابات بدأت بالفعل في مواقع العمل. السيناريو الثالث هو “دولة ناضجة ومنفتحة”. في هذا المسار لا يُنظر إلى الأجانب كقوة عمل فقط، بل كسكان يشاركون في بناء المجتمع المحلي، والتعليم، والحياة الثقافية، وربما المشاركة السياسية أيضا؛ فإذا كان من المحتمل أن يبلغ عدد الأجانب وغيرهم في اليابان نحو 9.39 مليون بالعام 2070، فإن تعليم اللغة اليابانية، واحترام الأديان والثقافات، وتعدد اللغات في البلديات، والتعليم المدرسي، وتصميم المجتمعات المحلية، لن تكون قضايا هامشية بعد الآن (المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي). وأفضل مستقبل ممكن هو الجمع بين السيناريو الثاني والثالث، أي مستقبل تستخدم فيه اليابان التكنولوجيا لتعويض نقص الأيدي العاملة، وتستخدم التنوع البشري للحفاظ على حيوية المجتمع. ولتحقيق ذلك، يجب ألا يُصمم الذكاء الاصطناعي كبديل من الإنسان فقط، بل كأداة لتوسيع قدراته. كما يجب ألا يُنظر إلى الأجانب كعمال مؤقتين، بل كسكان يشاركون في بناء المجتمع نفسه. الخلاصة: هل تستطيع اليابان أن تصبح دولة أصغر، وأذكى، وأكثر انفتاحا؟ في العام 2070، ستكون اليابان دولة يقل عدد سكانها بنحو 30 % عن اليوم، ويشكل من هم في سن الخامسة والستين فما فوق قرابة 40 % من السكان (المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي). هذا مستقبل صعب، لكنه ليس مستقبلا ميؤوسا منه، بل إن اليابان تملك فرصة نادرة لصياغة “نموذج الدولة المتقدمة بعد تراجع السكان” قبل غيرها. شروط هذا النموذج واضحة: أولا، يجب التخلي عن التصور الجامد لسن العمل، ووضع التعلم مدى الحياة وإطالة العمر الصحي في قلب المجتمع. ثانيا، يجب إدماج الذكاء الاصطناعي والروبوتات بعمق في الخدمات العامة، والصحة، والرعاية، والتعليم، والوقاية من الكوارث، والتصنيع، وبناء بنية تحتية قادرة على الصمود أمام تراجع السكان. ثالثا، يجب إعادة تصميم المالية العامة والضمان الاجتماعي على أساس الثقة بين الأجيال. رابعا، يجب دمج إزالة الكربون وأمن الطاقة في سياسة صناعية واحدة. خامسا، يجب بناء مجتمع يستطيع فيه السكان المتنوعون، بمن فيهم الأجانب، أن يعيشوا بأمان وكرامة. إن استشراف اليابان بعد خمسين عاما لا يعني التنبؤ بالمستقبل كما لو كان قدرا محتوما، بل يعني أن نرى أين ستصل مؤسسات اليوم إلى حدودها، وأي اختيارات ستوسع حرية الأجيال القادمة. ليس ضروريا أن تبقى اليابان دولة كبيرة، لكنها، حتى لو صغرت، يجب أن تبقى دولة ذكية، قوية، ومنفتحة، وهذا الاختيار لن يترك لجيل العام 2070، بل يقع اليوم على عاتق جيلنا نحن.
*أستاذ الدراسات اليابانية والترجمة بجامعة طوكاي اليابانية