بين الولاء للوطن والارتهان للخارج

| زهير توفيقي

استكمالا لمواقف الحزم التي أطلقها سيدي جلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، وترجمتها الحكومة الموقرة بقيادة صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، على أرض الواقع في مواجهة العدو الإيراني، وقف يوم أمس معالي وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة أمام نخبة من أبناء البحرين، متحدثا بلهجة حازمة وحاسمة لا تعرف المواربة، وبضرس قاطع ولغة حاسمة وواضحة، وبلسان دولة تدرك أن الخطر لا يأتي دائما من خلف الحدود فحسب، بل أحيانا من أولئك الذين يحاولون فتح الأبواب له من الداخل، ووضع النقاط على الحروف وأطلق خطة المرحلة المقبلة. خطاب معاليه جاء كلحظة مصارحة وطنية ثقيلة بالرسائل، اختارت فيها الدولة أن تتحدث بوضوح عن مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، وعن خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. معالي وزير الداخلية أعلن رسميا نهاية مرحلة طويلة من الصبر والاحتواء، وبداية مرحلة جديدة عنوانها “المعالجة الجذرية”، سياسيا وأمنيا وقانونيا، لكل من اختار أن يجعل ولاءه معلقا بمشروعات الخارج لا بثوابت الوطن. لم يكن في حديثه انفعال اللحظة، بل نبرة دولة تقول بوضوح إن أمن البحرين لم يعد يحتمل أنصاف المواقف، وإن التسامح لا يمكن أن يتحول إلى ثغرة يطعن الوطن منها. ومن اللفتات التي لفت لها معاليه بعمق وطني متجذر، ذلك الحرص الواضح على التفريق بين الطائفة الشيعية الكريمة باعتبارها مكونا أصيلا ومتجذرا في تاريخ البحرين وهويتها، وبين التنظيمات والتيارات المرتبطة بمشروع “ولاية الفقيه” والحرس الثوري الإيراني. فقد أرادت الدولة أن تؤكد، بصورة لا تحتمل الالتباس، أن المواجهة ليست مع مذهب أو طائفة، بل مع مشروع سياسي عابر للحدود يسعى لاختطاف الولاءات الوطنية وتحويل الانتماء الديني إلى تبعية سياسية خارجية. وهي رسالة بالغة الحساسية والأهمية في منطقة دفعت طويلا ثمن الخلط بين الهوية المذهبية والانتماء الوطني. معالي الوزير أعاد التذكير، بصورة غير مباشرة، بحجم المساحة التي منحتها الدولة طوال العقود الماضية لخيارات الإصلاح والتسامح واحتواء الأزمات. فمنذ المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظم، اختارت البحرين أن تفتح أبوابها للجميع، وأن تبني دولة تقوم على المشاركة والاحتواء والعفو وتغليب منطق الدولة المدنية، إلا أن الخطاب الأخير حمل إشارة واضحة إلى أن بعض الأطراف لم تقرأ تلك المساحة باعتبارها فرصة وطنية، بل تعاملت معها كمساحة للتغلغل وبناء الشبكات والتنظيمات والولاءات الموازية للدولة. وفي منطقة تمتلئ بالصراعات والانقسامات، بدأ اللقاء وكأنه إعلان سياسي بأن البحرين قررت أن تواجه التحديات بلغتها الواضحة لا بالمجاملات الدبلوماسية؛ فالأوطان، حين تدخل منعطفات الخطر، لا يحميها الصمت ولا العبارات الفضفاضة، بل وضوح الرؤية والقدرة على تسمية الأشياء بأسمائها. ولذلك لم يكن الخطاب مجرد موقف أمني تجاه خلية أو تنظيم، بل محاولة لرسم الحدود الفاصلة بين المعارضة والخيانة، وبين الاختلاف المشروع والارتهان للخارج، وبين المواطن الذي يختلف مع دولته تحت سقف الوطن، ومن يضع يده في يد من يستهدف هذا الوطن ذاته. وهكذا بدت الرسالة شديدة الوضوح: البحرين لا تعادي مكوناتها، ولا تنظر إلى مواطنيها بعيون طائفية، لكنها في المقابل لن تسمح بأن تتحول أطراف من أي طائفة إلى غطاء لمشروعات سياسية مرتبطة بالخارج؛ فالهوية الوطنية، كما أراد الخطاب أن يقول، ليست شعارا يُرفع في المناسبات، بل موقف يُختبر في لحظات الخطر، حين يصبح الوطن في مواجهة مباشرة مع من يريد النيل من أمنه واستقراره. وفي النهاية، فإن ما حمله اللقاء يتجاوز لحظته السياسية الراهنة؛ لأنه يعكس إدراكا متزايدا بأن معركة الدول الحديثة لم تعد فقط مع السلاح أو الخلايا السرية فحسب، بل مع معارك الوعي والولاء والانتماء. ولهذا بدت كلمات وزير الداخلية أقرب إلى رسم معادلة واضحة لا تحتمل الالتباس: أبواب الوطن تتسع للجميع، أما الاصطفاف مع أعدائه فليس رأيا سياسيا، بل خروج على فكرة الوطن نفسها.