تحصين المجتمعات من خطابات التحريض والطائفية

| حسن المصطفى

‭ ‬تُمثل‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬كيانًا‭ ‬مؤسسيًّا‭ ‬يسعى‭ ‬لتجاوز‭ ‬الهويات‭ ‬التقليدية‭ ‬نحو‭ ‬فضاء‭ ‬المواطنة‭ ‬الشاملة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلغي‭ ‬التعددية‭ ‬الثقافية‭ ‬والدينية‭ ‬أو‭ ‬يتصادم‭ ‬معها،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يريد‭ ‬لكيان‭ ‬“الدولة”‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جامعًا‭ ‬لمختلف‭ ‬المكونات‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬أو‭ ‬تفضيل‭ ‬لفئة‭ ‬دون‭ ‬أخرى،‭ ‬لأن‭ ‬المساواة‭ ‬والعدالة‭ ‬تعتبران‭ ‬ركيزتين‭ ‬أساسيتين‭ ‬للحكم‭ ‬المدني‭ ‬الرشيد‭ ‬وللسلم‭ ‬الأهلي‭.‬

هذا‭ ‬المسار‭ ‬رغم‭ ‬تعزيزه‭ ‬بالقوانين‭ ‬الحامية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يواجه‭ ‬اليوم‭ ‬تحديًا‭ ‬بنيويًّا‭ ‬يتمثلُ‭ ‬في‭ ‬الخطابات‭ ‬التحريضية‭ ‬والعنصرية‭ ‬والطائفية‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬منصات‭ ‬التواصل،‭ ‬حيث‭ ‬يُعاد‭ ‬استدعاء‭ ‬المذهب‭ ‬والقبيلة‭ ‬والعرق‭ ‬كخنادق‭ ‬آيديولوجية‭ ‬تُهدد‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وتدفع‭ ‬نحو‭ ‬صراعات‭ ‬مذهبية‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭! ‬إن‭ ‬تسييس‭ ‬“الهويات‭ ‬الأولية”‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاضطراب‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬الراهن‭ ‬والحروب‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المنطقة،‭ ‬يمثل‭ ‬تهديدًا‭ ‬للأمن‭ ‬القومي؛‭ ‬إذ‭ ‬يحل‭ ‬“الجهل‭ ‬الوظيفي”‭ ‬محل‭ ‬الوعي‭ ‬النقدي،‭ ‬وتصبح‭ ‬الجبهات‭ ‬الداخلية‭ ‬هشة‭ ‬وقابلة‭ ‬للاختراق‭ ‬عبر‭ ‬استدراج‭ ‬العواطف‭ ‬الانفعالية،‭ ‬واختلاق‭ ‬معارك‭ ‬هامشية‭ ‬تفتت‭ ‬النسيج‭ ‬المجتمعي‭.‬

تتطلب‭ ‬المرحلة‭ ‬رؤية‭ ‬علمية‭ ‬وعملية‭ ‬رصينة،‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬مدنية‭ ‬الدولة‭ ‬هي‭ ‬ضمانة‭ ‬أصيلة‭ ‬لحماية‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬والديني‭ ‬والعرقي،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬هيمنة‭ ‬الخطابات‭ ‬الإقصائية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬يجب‭ ‬النظر‭ ‬لها‭ ‬كأداة‭ ‬تنظيمية،‭ ‬ورافعة‭ ‬تمنع‭ ‬تحويل‭ ‬“المقدسات‭ ‬الدينية”‭ ‬أو‭ ‬الروابط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬صراع‭ ‬عبثي‭ ‬بين‭ ‬الجماعات‭ ‬المختلفة‭.‬

إن‭ ‬تعزيز‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬الجامعة‭ ‬يقتضي‭ ‬بالضرورة‭ ‬تفكيك‭ ‬بنية‭ ‬الخطاب‭ ‬التحريضي‭ ‬الذي‭ ‬يقتات‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تدوير‭ ‬السرديات‭ ‬التاريخية‭ ‬والفرز‭ ‬الطائفي،‭ ‬واستبداله‭ ‬بثقافة‭ ‬مدنية‭ ‬منفتحة،‭ ‬تؤمن‭ ‬بالتعددية‭ ‬كقيمة‭ ‬حقيقية،‭ ‬وتطبقها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬تحصين‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخليجية‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬مادامت‭ ‬تبجل‭ ‬بغرائزية‭ ‬عصبياتها‭ ‬الذاتية‭ ‬وتحرض‭ ‬بعنفٍ‭ ‬ضد‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يختلف‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬الرأي‭! ‬وعليه،‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬المجتمعات‭ ‬النظر‭ ‬لذواتها‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالآخر،‭ ‬بوصفها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحاضر‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬كيانات‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬وتجتر‭ ‬فتنه‭ ‬ومناكفاته‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬التحرر‭ ‬منها‭ ‬بشجاعة‭ ‬ووعي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحتّم‭ ‬إخضاع‭ ‬الخطاب‭ ‬لأدوات‭ ‬التحليل‭ ‬النقدي،‭ ‬ونزع‭ ‬الشرعية‭ ‬عن‭ ‬“اللغة‭ ‬التحريضية”‭ ‬التي‭ ‬تؤسس‭ ‬للفرز‭ ‬الحاد‭.‬

‭*‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬سعودي