جلالة الخطاب لخطاب الجلالة

| سيد ضياء الموسوي

هنا البحرين وهنا يبدأ الوفاء لملك عظيم اسمه حمد بن عيسى. هو القصة كلها. قد كرم على شعب بصناعة جنة البحرين،  بنبل تواترته السنون، وتكفل بفرح الوطن وحزنه،  فإن غضب فلأجل الوطن يغضب،  إنه الغضب النبيل والغضب المقدس، وحين يخطب لا ترتجف الكلمات، بل ترتجف المعاني لتموضع مكانها ومواضعها ومقامها. فغضب هو غضب الملوك العظام وغضب النبلاء الكرام، لوطن كبير،  وطن يستجير الكبار، وبعض الكبير يثير حسد الجبال،  تراتيلُ خطاب تلوح كأنشودة على فم الوطن زغردة ولحنا وجيتارا،  تراتيل قلوب، وهمسات أفئدة،  وهمهمات أنفس، وتعويذات شفاه، تنشد شعرا: فليتك تحلو والحياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضابُ والتي الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خرابُ إذا صح من الود فالكل هينٌ وكل الذي فوق التراب ترابُ هنا تكمن قوة الحاكم والحكم والحكيم بفن إدارة الألم الوطني، لغضب قائد يحول الوطن كهوية وجودية،  إنه الغضب الأخلاقي لتموضع المعاني في زوايا الخريطة الكبرى، لتكون حرابا في المنعطفات وطعانا أمام الطعنات؛ لكي لا تكون هناك على شفاه الوطن أنياب على شكل قبلات. فالوطن ليس جغرافيا، بل مواقف رجال في السيرة والمسيرة والسرايا. إنه في علم السوسيولوجيا، يسمى “خطاب الصدمة”، إذ يكون كحارس “للمعنى”، عبر إعادة قدسية الوطن عبر طقوس الحضور وعند طقوس الغياب بإعادة ترميم النظام الأخلاقي عبر طبقات للخطاب السامي ليتعملق السمو في زمن المساومة والسموم: 1. طبقة أصل الأخلاق. 2. وطبقة الهوية الوطنية فوق بقية الهويات. 3. وطبقة الفرز في الانحياز لا الحياد. حيث يرسخ المفهوم في وقت مصيري: من لا توجد منطقة وسطى ما بين الجنة والنارِ نقول: لا توجد منطقة وسطى ما بين البحرينِ وإيرانِ. الخطاب الحكيم: خطاب حكيم يحمل قنديل الحكمة ليوقظ النائمين في غيبوبة الحدث أو بعض الجالسين على تل الحياد أو الراسمين لوحة رمادية لا تشبه في ألوانها بياض صبح البحرين ولا حمرة غروبها. إنه خطاب الزلزال،  نزل كالقاعقة للخروج من الكومة، خطاب ينزل الفأس الذي يكسر البحر المتجمد فينا. خطاب كخبطة على الجمجمة ليعيد الزوايا في زمن الرزايا في سرايا الوطن أستارا حمرا لقاعات تتويج وطن مزدحم المرايا جمالا وأرتال نبل وهدايا. الهدف من الخطاب إعادة التوازن الرمزي كما سماه فرويد بـ “الصدمة الجماعية” لإعادة الوعي، وفي سبيل الأفق سعيا وراء قمة شماء،  بترمومتر وطني يقيس حجم النبض. كما التاريخ شهد عظماء أعادوا التوازن الاجتماعي لأوطانهم كما هو تشرشبل قائلا: “الأوطان لا تنقذ بالحياد”، وكما هو خطاب شارل ديجول قائلا: “القيم الوطنية غير قابلة للتفاوض“. والسؤال هنا، ليس من أخطأ، بل من بقي وفيا؟ والجواب كلنا أوفياء. ويعقبه سؤال أهم؛ ليس من تكلم،  بل من صمت حين وجب الكلام؟ كلنا تكلمنا، ومجموعة صغيرة لا تختصر حجم شعب تعملق أحجاما، سياسة بحجم وطن كبير. فقد أسس جلالته الخطاب لحظات انكشاف بأن المواطن ليس جواز سفر، بل موقع، وليس ورقة، بل وعد،  وفرق بين عبور الجواز وجواز العبور. فالوطن لا يجزأ، ولا يوجل،  فإما يكون الوطن في قلبك، أو يكون قلبك بلا وطن. يقول محمود درويش: وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافر. فالفيلسوف جان جاك روسو حن إلى ربوع سويسرا، وهو ينام على ذراع فرنسا،  وفولتير كانت تسكنه باريس وهو يتسكع على أرصفة لندن،  وأوسكار وايلد كان ينام على محطات غربة في باريس، ولندن تربت على كتفيه فوق سريره وتغني له أنشودة أم تهدهد وحيدها. وكما قال شوقي: وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي. هنا خطاب الجلالة في جلالة الخطاب،  في وطن الحضور في حضرة الوطن، في معنى السمو لسمو في معنى الذات، يخيرنا الخطاب أن نكون، في القصة أو على هامش الحكاية،  بطل القصة أو عابر يركله الزمن ويعبر عليه العابرون. وفرق بين أن تكون صوتا أو صدى،  ذاكرة أو ذكرى عابرة،  فلا هويات فرعية، والوطن هو الهوية الأولى والثانية والأخيرة. إنه خطاب الجلالة،  خطاب وجودي بغضب فلسفي وبوعي وبمنطق انثروبولوجي، وبأفق تاريخي يضرب كالرعد،  خطاب يلقى كأنه قدر.. خطاب عرّى المسلخ الإيراني أمام العرس البحريني، وأظهر حقيقة السياف الديني أمام الحكم المدني،  والنرجسية الثورية أمام الروح التنويرية. فسيادة البحرين فوق كل شيء،  ولا أحد له حق التدخل بشؤون مملكة عظيمة. وما هو التدخل الإيراني غير غياب الخُلق ساعة انتحار الأخلاق. أخلاق تختصر في تراكم انحدار معنى ومعانٍ،  إنها النرجسية الفاقعة، والحشيش الشعاراتي، والبارانويا التاريخية وعقدة الذاكرة المتورمة الجريحة، وفوبيا من الحضارة في اكتئاب وجودي مرير. إنها لحظة تعري السايكوباتية المريضة،  والشعارات الانفصامية،  والوسواس القهري التمددي، لشعارات تحولت إلى خردة في سكراب الزمن وحفرة العدمية،  لحكم أنهكته شهوات الانتحار والرقص على حافة التناقضات. يصارعون طواحين الهواء، والطواحين بلا طحين ولا هواء وبئس صراع، لولاية فقيه لفقيه بلا ولاية. بأخلاق معلبة تستر خلفها السادية الإيرانية بمازوخية جماعية على إيقاع ذاكرة مثقوبة لدولة على حافة الانقراض بالرقص على حافة القدر، في “متلازمة الانتصار الوهمي” بتمثيل دور الضحية، وهي التي قطعت الخرائط واستباحت الجغرافيا من دمشق إلى بيروت والعراق إلى صنعاء. إنها الدعاية القائمة على التناقضات، باستغلال “الكرامة المسكينة” ومصيدة “الأوهام النبيلة” بشباك الكرامة الوهمية بسنارة الإيراني الصياد ذي النفس الطويل. هي التي حولت فلسطين والجنوب ودمشق واليمن والعراق إلى نعش وفوق النعش تتقاسم الأرباح. حين يتحول دم الإنسان في إيران أرخص من قطعة زعفران. والناس مجرد أرقام في مزاد الكذب السياسي المقدس تقوى وأموال طاهرة وقلوب عرايا، لتكون نهاية التراجيديا للضحايا، لتبشر الحقيقة الباكية مناحة وندوبا، المطحونين في فرامة لحم المشروع الإيراني: صحيح أنكم لم تموتوا،  وأيضا لم تعيشوا. هنا يتبخر هوس الخلود من ذاكرة “المارد التقي“ في لحظة عبور قاتلة وقت الانكشاف، وسقوط القناع عند لحظة يعانق فيه القناع الوداع يوم غدر الفيلق وباع. والحقيقة المرة أن تخزين الضمير في الثلاجة الإيرانية لن يربح الشاوي، ولا المُشوى له ولا المشويات ولا الشواء. لشعب مسكين تبخرت ملياراته في كازينو الدم مقامرة لشعب مسكين ذبح بالسكين. هنالك إيران، وهنا البحرين، نعم هنا البحرين،

وهنا يبدأ الوفاء لملك عظيم اسمه حمد بن عيسى،  هو القصة كلها، هو المشهد،  وهو الحكاية، وهو البطولة، إذ يأخذ بناصيتها البطل. غضب عظيم، لقلب نبيل، لحكم حكيم، لشعب كريم.