ميانمار تبحث عن اعتراف ناعم

| عبدالله بوقس

ميانمار‭ ‬ليست‭ ‬ملفًّا‭ ‬آسيويًّا‭ ‬بعيدًا؛‭ ‬فهي‭ ‬دولة‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬رابطة‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ (‬آسيان‭) ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1997،‭ ‬وتقع‭ ‬عند‭ ‬تقاطع‭ ‬حساس‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬وخليج‭ ‬البنغال‭. ‬لكن‭ ‬الانتخابات‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬الماضي‭ ‬لم‭ ‬تطوِ‭ ‬أزمتها‭ ‬السياسية،‭ ‬بل‭ ‬أبقت‭ ‬سؤال‭ ‬الشرعية‭ ‬مفتوحاً،‭ ‬وجعلت‭ ‬نايبيداو‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬قبول‭ ‬خارجي‭ ‬من‭ ‬طريق‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬السياسة‭ ‬المباشرة‭. ‬وبين‭ ‬تحرك‭ ‬الصين‭ ‬بحساب‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬ودخول‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الطاقة،‭ ‬وفتح‭ ‬قنوات‭ ‬خليجية‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬والتعدين‭ ‬والكهرباء‭ ‬والطاقة،‭ ‬تتضح‭ ‬محاولة‭ ‬ميانمار‭ ‬تحويل‭ ‬المصالح‭ ‬العملية‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬اعتراف‭ ‬هادئ‭.‬

جرت‭ ‬الانتخابات‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬مراحل‭ ‬وانتهت‭ ‬عملياً‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬يناير‭ ‬بعد‭ ‬أول‭ ‬اقتراع‭ ‬عام‭ ‬منذ‭ ‬انقلاب‭ ‬الجيش‭ ‬عام‭ ‬2021‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نهاية‭ ‬التصويت‭ ‬لم‭ ‬تنه‭ ‬الأزمة؛‭ ‬فقد‭ ‬جرى‭ ‬الاقتراع‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حرب‭ ‬داخلية،‭ ‬واستبعاد‭ ‬قوى‭ ‬معارضة‭ ‬رئيسة،‭ ‬وبنية‭ ‬دستورية‭ ‬تمنح‭ ‬الجيش‭ ‬حضورًا‭ ‬ثابتًا‭. ‬ثم‭ ‬انتخب‭ ‬البرلمان‭ ‬زعيم‭ ‬الانقلاب‭ ‬الجنرال‭ ‬مين‭ ‬أونغ‭ ‬هلاينغ‭ ‬رئيسًا‭ ‬في‭ ‬3‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي،‭ ‬في‭ ‬انتقال‭ ‬بدا‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬ترتيب‭ ‬الواجهة‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬صفحة‭ ‬جديدة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬بدأ‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬قبول‭ ‬خارجي‭ ‬بديل‭. ‬فالأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تعدّ‭ ‬الانتخابات‭ ‬مخرجًا‭ ‬شرعيًّا،‭ ‬بل‭ ‬دعا‭ ‬مقررها‭ ‬الخاص‭ ‬إلى‭ ‬رفض‭ ‬نتائجها‭. ‬أما‭ ‬آسيان‭ ‬فأعلنت‭ ‬قبل‭ ‬الانتخابات‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬ترسل‭ ‬مراقبين،‭ ‬ولن‭ ‬تصادق‭ ‬على‭ ‬الاقتراع،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬مشكلة‭ ‬نايبيداو‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬محيطها‭ ‬الآسيوي‭ ‬أيضًا‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬واصلت‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬حضورهما‭ ‬من‭ ‬بابين‭ ‬مختلفين؛‭ ‬فقد‭ ‬تحركت‭ ‬بكين‭ ‬من‭ ‬مدخل‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬مهنئةً‭ ‬القيادة‭ ‬الجديدة‭ ‬وباحثةً‭ ‬ملفات‭ ‬التجارة‭ ‬والعلاقة‭ ‬مع‭ ‬آسيان‭ ‬وأمن‭ ‬الحدود‭ ‬قرب‭ ‬مقاطعة‭ ‬يونان‭ ‬وممر‭ ‬خليج‭ ‬البنغال،‭ ‬فيما‭ ‬عززت‭ ‬موسكو‭ ‬حضورها‭ ‬من‭ ‬مدخل‭ ‬الطاقة،‭ ‬عبر‭ ‬مذكرة‭ ‬تعاون‭ ‬في‭ ‬الكهرباء‭ ‬والنفط،‭ ‬بعد‭ ‬اتفاقات‭ ‬في‭ ‬الغاز‭ ‬وميناء‭ ‬داوي‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬مانحةً‭ ‬نايبيداو‭ ‬أدوات‭ ‬بقاء‭ ‬اقتصادي‭.‬

وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬الخليج‭ ‬بوصفه‭ ‬نافذة‭ ‬أهدأ‭ ‬وأكثر‭ ‬حساسية،‭ ‬فقد‭ ‬استقبلت‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬نايبيداو،‭ ‬في‭ ‬27‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي،‭ ‬وفدًا‭ ‬قطريًّا‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى،‭ ‬وبحث‭ ‬الطرفان‭ ‬توسيع‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬والتعدين‭ ‬والكهرباء‭ ‬والطاقة،‭ ‬وهي‭ ‬مجالات‭ ‬تمس‭ ‬احتياجات‭ ‬ميانمار‭.‬

كما‭ ‬تهم‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬الخليج‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬أمن‭ ‬غذائي‭ ‬وتنويع‭ ‬آسيوي‭ ‬وسط‭ ‬اضطراب‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬سياق‭ ‬ميانمار‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات‭. ‬لذلك‭ ‬تبدو‭ ‬الزيارة‭ ‬اقتصادية‭ ‬في‭ ‬ظاهرها،‭ ‬وحساسة‭ ‬في‭ ‬توقيتها،‭ ‬لأنها‭ ‬تمنح‭ ‬نايبيداو‭ ‬قناة‭ ‬تعامل‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تحتاج‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬القبول‭ ‬والاستثمار‭ ‬وتخفيف‭ ‬العزلة‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبقى‭ ‬ميانمار‭ ‬فرصة‭ ‬قائمة،‭ ‬تبحث‭ ‬عبرها‭ ‬عن‭ ‬اعتراف‭ ‬ناعم‭ ‬بأرض‭ ‬غير‭ ‬صلبة‭. ‬لذلك‭ ‬يحتاج‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬مزدوجة‭ ‬ترى‭ ‬الموارد‭ ‬والموقع،‭ ‬ولا‭ ‬تغفل‭ ‬العقوبات‭ ‬والحرب‭ ‬وسؤال‭ ‬الشرعية‭. ‬فالقبول‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تمنحه‭ ‬السياسة‭ ‬قد‭ ‬يتسلل‭ ‬عبر‭ ‬الموانئ‭ ‬والمزارع‭ ‬والعقود؛‭ ‬وهنا‭ ‬يبدأ‭ ‬السؤال‭: ‬أي‭ ‬باب‭ ‬يُفتح،‭ ‬ولمن،‭ ‬وبأي‭ ‬ثمن؟

 

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور