عقل إقطاعي على جسم رأسمالي!

| كمال الذيب

‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬عربية‭ ‬عديدة،‭ ‬فتحت‭ ‬للتو‭ ‬ورشة‭ ‬بيع‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬أبوابها‭ ‬على‭ ‬مصراعيها‭ ‬استجابة‭ - ‬في‭ ‬الغالب‭ - ‬لنصائح‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬ومشتقاته،‭ ‬ولذلك‭ ‬كثر‭ ‬الحديث‭ ‬بالمناسبة‭ ‬عن‭ ‬عيوب‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬وكوارثه‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬وفشله‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬التنمية‭ ‬الشاملة‭ (‬هكذا‭!!). ‬وبموازاة‭ ‬ذلك‭ ‬كثرت‭ ‬الأحاديث‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬الماسة‭ ‬والعاجلة‭ ‬لإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬وإصلاحها،‭ ‬تنفيذًا‭ ‬للوصايا‭ ‬العشر‭ ‬بحذافيرها‭.. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬فاشل‭ ‬و‭(‬غير‭ ‬منتج‭) - ‬بحسب‭ ‬توصيفهم‭ - ‬فإن‭ ‬جيل‭ ‬“البورجوازية”‭ ‬العربية‭ ‬الجديدة،‭ ‬من‭ ‬الساعين‭ ‬إلى‭ ‬الثراء‭ ‬السهل‭ ‬والربح‭ ‬السريع‭ ‬سيكون‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬إنقاذ‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬العربية‭ ‬المرهقة‭ ‬بقطاعاتها‭ ‬العامة،‭ ‬من‭ ‬الفشل،‭ ‬والارتقاء‭ ‬بمستوى‭ ‬العيش‭ ‬وتوفير‭ ‬ملايين‭ ‬مواطن‭ ‬العمل‭ ‬للمواطنين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قطر‭ ‬عربي‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬وصفات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬العلاجية‭ ‬هذه‭ ‬سوف‭ ‬تحقق‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الرخاء‭ ‬والتنمية‭ ‬للجميع‭!‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬العربية‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬وتطوير‭ ‬وإعادة‭ ‬هيكلة،‭ ‬ولكنها‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬رجال‭ ‬أعمال‭ ‬مهرة‭ ‬ورواد‭ ‬ومغامرين‭ ‬ذوي‭ ‬قدرة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬التجديد‭ ‬والتخيل‭ ‬والإبداع‭. ‬هؤلاء‭ ‬بإمكانهم‭ ‬المبادرة‭ ‬بدل‭ ‬الاتكال‭ ‬على‭ ‬إمكانيات‭ ‬الدولة‭ ‬ودعمها‭.. ‬وبإمكانهم‭ ‬تنمية‭ ‬المهارات‭ ‬الذهنية‭ ‬والعضلية‭ ‬بشكل‭ ‬أرقى‭ ‬من‭ ‬العفوية‭ ‬التي‭ ‬نشاهدها‭ ‬حاليًّا‭. ‬وبإمكانهم‭ ‬تبني‭ ‬حلقات‭ ‬الجودة‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬اليابانية‭ ‬وخلق‭ ‬علاقات‭ ‬ديمقراطية‭ ‬بين‭ ‬الصانع‭ ‬والمواد‭ ‬المصنوعة،‭ ‬وعدم‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العمال‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬مجرد‭ (‬تروس‭) ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭ ‬تسمع‭ ‬وتتحرك‭ ‬دون‭ ‬فكر‭ ‬أو‭ ‬احتمال‭ ‬أو‭ ‬إبداع‭ ‬أو‭ ‬اجتهاد‭.‬

أما‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الإصلاح‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وجعله‭ ‬مرادفًا‭ ‬لبيع‭ ‬القطاع‭ ‬العام،‭ ‬فيحتوي‭ ‬على‭ ‬مخاطر‭ ‬ومهالك‭ ‬كثيرة،‭ ‬يدركها‭ ‬الواعون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬الرأسمالي‭ ‬نفسه.

وإذا‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬ابتلاع‭ (‬الوصايا‭) ‬والوصفات‭ ‬والسير‭ ‬على‭ ‬هدى‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬فعلى‭ ‬الأقل‭ ‬يجب‭ ‬الاهتداء‭ ‬بما‭ ‬أفرزه‭ ‬نوابغ‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الحقيقية‭ ‬من‭ ‬تايلور‭ ‬إلى‭ ‬فورد،‭ ‬إلى‭ ‬منظري‭ ‬الصناعات‭ ‬اليابانية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬تركيب‭ ‬عقل‭ ‬إقطاعي‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رأسماليا‭ ‬دون‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.. ‬فالاختيار‭ ‬بين‭ ‬الأسود‭ ‬والأبيض‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬القبول‭ ‬باللون‭ ‬الرمادي‭.. ‬والاهتداء‭ ‬بسيرة‭ (‬فورد‭) ‬المهنية‭ ‬والإبداعية‭ ‬أفضل‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬من‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬خطى‭ ‬الفاشلين‭ ‬الملفقين‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني