حين يتحول الحبر إلى ذاكرة وطن.. قراءة في كتاب “سيرة في السياسة”

| أحمد الفضالة

‭ ‬كتاب‭ ‬يستحضر‭ ‬جذور‭ ‬الأزمات‭ ‬ويضيء‭ ‬خطر‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الخليج،‭ ‬فـ‭ ‬“ليست‭ ‬بعض‭ ‬الكتب‭ ‬صفحات‭ ‬تُقرأ،‭ ‬بل‭ ‬مرايا‭ ‬تكشف‭ ‬كيف‭ ‬يعود‭ ‬التاريخ‭ ‬إلينا‭ ‬بأسماء‭ ‬جديدة‭ ‬وتحديات‭ ‬متجددة”،‭ ‬فقد‭ ‬أهداني‭ ‬الصديق‭ ‬العزيز‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبدالله‭ ‬خليفة‭ ‬الكعبي‭ ‬كتابه‭ ‬القيّم‭: ‬“سيرة‭ ‬في‭ ‬السياسة”،‭ ‬فكانت‭ ‬الهدية‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬كتاب‭ ‬يوضع‭ ‬على‭ ‬الرفوف‭ ‬أو‭ ‬يُقرأ‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬عابرة؛‭ ‬إذ‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أمام‭ ‬عمل‭ ‬فكري‭ ‬ثري‭ ‬يفتح‭ ‬نوافذ‭ ‬واسعة‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬السياسي‭ ‬للمنطقة،‭ ‬ويعيد‭ ‬قراءة‭ ‬محطات‭ ‬مفصلية‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬آثارها‭ ‬ماثلة‭ ‬في‭ ‬واقعنا‭ ‬الراهن‭.‬

منذ‭ ‬الصفحات‭ ‬الأولى،‭ ‬يتبدى‭ ‬للقارئ‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬لا‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬سرد‭ ‬التجارب‭ ‬الشخصية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬شهادة‭ ‬فكرية‭ ‬وسياسية‭ ‬على‭ ‬عصرٍ‭ ‬كامل‭. ‬فالكاتب‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬تجربته‭ ‬ومسيرته‭ ‬مدخلًا‭ ‬لقراءة‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬مرّت‭ ‬بها‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬جامعًا‭ ‬بين‭ ‬السرد‭ ‬الأدبي‭ ‬والتحليل‭ ‬السياسي‭ ‬العميق‭.‬

ويتنقل‭ ‬الكتاب‭ ‬بين‭ ‬محطات‭ ‬تاريخية‭ ‬متعددة،‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬تشكّل‭ ‬الوعي‭ ‬الشخصي‭ ‬والسياسي،‭ ‬ثم‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬قضايا‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬الاستعمار‭ ‬الغربي،‭ ‬ومشروعات‭ ‬الهيمنة،‭ ‬والجذور‭ ‬التاريخية‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ومسارات‭ ‬الصراع‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭. ‬لقد‭ ‬أولى‭ ‬الكتاب‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استعراض‭ ‬الجذور‭ ‬التاريخية‭ ‬للمشروع‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ومؤتمر‭ ‬بازل،‭ ‬ورسائل‭ ‬تيودور‭ ‬هرتزل،‭ ‬ورفض‭ ‬السلطان‭ ‬عبدالحميد‭ ‬الثاني‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬فلسطين،‭ ‬وهي‭ ‬صفحات‭ ‬يقدّمها‭ ‬الكاتب‭ ‬بلغة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬التوثيق‭ ‬التاريخي‭ ‬والانفعال‭ ‬الوطني‭ ‬الصادق‭. ‬وهو‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بعرض‭ ‬الوقائع،‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬أسبابها،‭ ‬وربطها‭ ‬بنتائجها‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نعيشها‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

ومن‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬أنه‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬بوعيٍ‭ ‬استشرافي‭ ‬لافت؛‭ ‬فالقارئ‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬الكتاب‭ ‬إشارات‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬الأخطار‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬المنطقة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الأطماع‭ ‬الإقليمية‭ ‬والمشروعات‭ ‬التوسعية‭ ‬التي‭ ‬اتخذت‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭ ‬صورًا‭ ‬مختلفة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬قراءة‭ ‬الكاتب‭ ‬للخطر‭ ‬الفارسي‭ ‬الإيراني‭ ‬مبكرة،‭ ‬وذات‭ ‬أهمية‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬منطقتنا‭ ‬اليوم،‭ ‬حيث‭ ‬تتجدد‭ ‬محاولات‭ ‬التدخل‭ ‬وزعزعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬قيمة‭ ‬الكتاب،‭ ‬ليس‭ ‬بوصفه‭ ‬سجلًا‭ ‬للماضي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬نصًا‭ ‬يضيء‭ ‬الحاضر،‭ ‬ويمنح‭ ‬القارئ‭ ‬أدوات‭ ‬لفهم‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬تكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬مضاعفة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأحداث‭ ‬الراهنة‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المنطقة،‭ ‬حيث‭ ‬يتجدد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الخطر‭ ‬الإيراني‭ ‬المستمر،‭ ‬ومحاولات‭ ‬التمدد‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬واستقراره‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬حقًّا‭ ‬هو‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬فكري،‭ ‬وعلى‭ ‬جعل‭ ‬الوقائع‭ ‬السياسية‭ ‬مادة‭ ‬للتأمل‭ ‬العميق‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يروي‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يدعو‭ ‬القارئ‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل‭: ‬لماذا‭ ‬حدث؟‭ ‬وكيف‭ ‬تكررت‭ ‬الأخطاء‭ ‬ذاتها؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نتعلمه‭ ‬من‭ ‬صفحات‭ ‬الأمس‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭ ‬التحديات‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬الغد؟

وتتجلى‭ ‬أهمية‭ ‬الكتاب‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يقرأ‭ ‬التاريخ‭ ‬بوصفه‭ ‬ماضيًا‭ ‬منقطعًا،‭ ‬بل‭ ‬يقدّمه‭ ‬كمرآة‭ ‬لفهم‭ ‬الحاضر‭. ‬فما‭ ‬نراه‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬تمس‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬ومن‭ ‬محاولات‭ ‬لزعزعة‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي،‭ ‬تجد‭ ‬لها‭ ‬جذورًا‭ ‬وتحليلات‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعله‭ ‬نصًّا‭ ‬حيًّا‭ ‬يواكب‭ ‬اللحظة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬شهادة‭ ‬على‭ ‬زمن‭ ‬مضى‭.‬

لقد‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬ثراءً‭ ‬في‭ ‬الطرح،‭ ‬وجرأة‭ ‬في‭ ‬التحليل،‭ ‬وصدقا‭ ‬في‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬قضايا‭ ‬الأمة،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬إضافة‭ ‬نوعية‭ ‬للمكتبة‭ ‬البحرينية‭ ‬والعربية،‭ ‬وقراءة‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬الذي‭ ‬تتشابك‭ ‬فيه‭ ‬السياسة‭ ‬بالتاريخ،‭ ‬ويعود‭ ‬فيه‭ ‬الماضي‭ ‬ليلقي‭ ‬ظلاله‭ ‬على‭ ‬حاضرنا‭.‬

إن‭ ‬“سيرة‭ ‬في‭ ‬السياسة”‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬كتاب‭ ‬في‭ ‬الذكريات‭ ‬أو‭ ‬السياسة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شهادة‭ ‬فكرية‭ ‬على‭ ‬زمن‭ ‬عربي‭ ‬مضطرب،‭ ‬وتحذير‭ ‬مبكر‭ ‬من‭ ‬الأخطار‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬واقعنا‭ ‬الحالي‭.‬

‭*‬عضو‭ ‬جمعية‭ ‬الصحفيين‭ ‬البحرينية