من عهد الشيخ عيسى الكبير إلى الشراكة المؤسسية الحديثة:

خمسون عاما على تكوين اللجنة المشتركة بين الجمارك وغرفة البحرين

| خالد عبدالله المرباطي

منذ‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬ارتبط‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين‭ ‬التجاري‭ ‬بتاريخ‭ ‬جمركها‭. ‬ففي‭ ‬عهد‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬شهدت‭ ‬الجمارك‭ ‬تنظيما‭ ‬مبكرا‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬دعائم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬إذ‭ ‬أُوكلت‭ ‬مهام‭ ‬إدارة‭ ‬الجمارك‭ ‬وجمع‭ ‬الرسوم‭ ‬إلى‭ ‬تاجر‭ ‬بارز‭ ‬التزم‭ ‬بتوريد‭ ‬مبلغ‭ ‬محدد‭ ‬للحكومة‭ ‬مدة‭ ‬35‭ ‬عاماً،‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬إدارية‭ ‬متقدمة‭ ‬لزمانها‭. ‬كما‭ ‬أمر‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭ ‬عام‭ ‬1904‭ ‬ببناء‭ ‬رصيف‭ ‬حجري‭ ‬لتعجيل‭ ‬نقل‭ ‬وشحن‭ ‬البضائع،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬عكست‭ ‬إدراكاً‭ ‬مبكراً‭ ‬لأهمية‭ ‬تسهيل‭ ‬الحركة‭ ‬التجارية‭ ‬ودعم‭ ‬الميناء‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬تطورت‭ ‬الجمارك‭ ‬عبر‭ ‬إنشاء‭ ‬أول‭ ‬مبنى‭ ‬جمركي‭ ‬عام‭ ‬1917،‭ ‬وتأسيس‭ ‬إدارة‭ ‬رسمية‭ ‬عام‭ ‬1923،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬القوانين‭ ‬واللوائح‭ ‬التي‭ ‬نظمت‭ ‬العمل‭ ‬الجمركي‭ ‬لاحقاً،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬شؤون‭ ‬الجمارك‭ ‬ركناً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬

تواصل‭ ‬مبكر‭ ‬بين‭ ‬التجار‭ ‬والجمارك

لم‭ ‬يكن‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬التجار‭ ‬والجمارك‭ ‬وليد‭ ‬عام‭ ‬1976،‭ ‬بل‭ ‬بدأ‭ ‬منذ‭ ‬تأسيس‭ ‬الجهاز‭ ‬الجمركي‭ ‬نفسه‭. ‬وكانت‭ ‬أبرز‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭ ‬التجار‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأولى‭ ‬تتعلق‭ ‬بعمليات‭ ‬التحميل‭ ‬والتنزيل‭ ‬في‭ ‬الميناء،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬كميات‭ ‬بعض‭ ‬البضائع‭ ‬الواصلة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمستندات،‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إشكالات‭ ‬مالية‭ ‬وتجارية‭. ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬حجم‭ ‬التجارة،‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬مؤسسي‭ ‬يجمع‭ ‬الطرفين‭ ‬لمعالجة‭ ‬التحديات‭ ‬بشكل‭ ‬منظم‭. ‬

إعلان‭ ‬اللجنة‭ ‬المشتركة‭ ‬عام‭ ‬1976

في‭ ‬28‭ ‬أبريل‭ ‬1976،‭ ‬أعلنت‭ ‬الدولة‭ ‬عبر‭ ‬الصحافة‭ ‬المحلية‭ ‬تشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬غرفة‭ ‬البحرين،‭ ‬ترأس‭ ‬الجانب‭ ‬الحكومي‭ ‬آنذاك‭ ‬سعادة‭ ‬الشيخ‭ ‬دعيج‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬الوكيل‭ ‬المساعد‭ ‬لشؤون‭ ‬الجمارك‭ ‬والموانئ‭ ‬بوزارة‭ ‬المالية‭ ‬،‭ ‬فيما‭ ‬ترأس‭ ‬جانب‭ ‬الغرفة‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬يوسف‭ ‬جلال‭ ‬رئيس‭ ‬الغرفة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬لتبدأ‭ ‬بذلك‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬المنظم‭ ‬بين‭ ‬الإدارة‭ ‬الحكومية‭ ‬وممثلي‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭.‬

شخصيات‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬اللجنة

على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬عمل‭ ‬اللجنة،‭ ‬مثّل‭ ‬الغرفة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القيادات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬البارزة،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬إبراهيم‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬زينل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يشغل‭ ‬منصب‭ ‬النائب‭ ‬الأول‭ ‬لرئيس‭ ‬الغرفة‭ ‬وشارك‭ ‬في‭ ‬اجتماعات‭ ‬اللجنة‭ ‬المشتركة‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬تطوير‭ ‬الإجراءات،‭ ‬وكذلك‭ ‬عبدالحكيم‭ ‬إبراهيم‭ ‬الشمري‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬المعروفة‭ ‬التي‭ ‬مثلت‭ ‬الغرفة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللجنة‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قنوات‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬التجار‭ ‬والإدارة‭ ‬الجمركية‭ ‬وبالأخص‭ ‬تسهيل‭ ‬مرور‭ ‬الشاحنات‭ ‬عبر‭ ‬جسر‭ ‬الملك‭ ‬فهد‭ ‬والتخلص‭ ‬من‭ ‬تكدسها‭.‬

تحديث‭ ‬مستمر‭ ‬وتعاون‭ ‬متجدد

شهدت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬محطات‭ ‬تطوير‭ ‬مهمة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬توقيع‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تدشين‭ ‬النظام‭ ‬الإلكتروني‭ ‬الجديد‭ ‬للجمارك،‭ ‬بما‭ ‬عزز‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التخطيط‭ ‬ورسم‭ ‬السياسات‭ ‬وتبادل‭ ‬المعلومات‭. ‬كما‭ ‬استمرت‭ ‬الشراكة‭ ‬بتوقيع‭ ‬اتفاقية‭ ‬‮«‬مستوى‭ ‬الخدمة‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬التي‭ ‬هدفت‭ ‬إلى‭ ‬تبسيط‭ ‬الإجراءات،‭ ‬وتنظيم‭ ‬قنوات‭ ‬الاتصال،‭ ‬ووضع‭ ‬آليات‭ ‬لتبادل‭ ‬البيانات‭ ‬والتقارير‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬المصدرين‭ ‬والمستوردين‭.‬

وتزامنت‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬مع‭ ‬تحديثات‭ ‬مؤسسية‭ ‬كبيرة‭ ‬داخل‭ ‬شؤون‭ ‬الجمارك،‭ ‬مثل‭ ‬تدشين‭ ‬نظام‭ ‬النافذة‭ ‬الواحدة‭ ‬‮«‬أفق‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2012،‭ ‬وتطبيق‭ ‬أنظمة‭ ‬التخليص‭ ‬المسبق،‭ ‬وتركيب‭ ‬أجهزة‭ ‬الفحص‭ ‬الحديثة،‭ ‬واعتماد‭ ‬استراتيجيات‭ ‬خمسية‭ ‬متكاملة،‭ ‬انسجاماً‭ ‬مع‭ ‬الرؤية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬2030‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الأداء‭ ‬الجمركي‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬وتسريع‭ ‬إنجاز‭ ‬المعاملات‭.‬

غياب‭ ‬اللجنة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدورات

في‭ ‬دورتي‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬الغرفة‭ ‬التاسعة‭ ‬والعشرين‭ ‬والثلاثين،‭ ‬لم‭ ‬تسعَ‭ ‬الغرفة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬شؤون‭ ‬الجمارك،‭ ‬وفضّلت‭ ‬أن‭ ‬تتولى‭ ‬اللجان‭ ‬القطاعية‭ ‬التواصل‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬الجمارك‭ ‬بحسب‭ ‬الحاجة‭. ‬وقد‭ ‬يعكس‭ ‬ذلك‭ ‬تطور‭ ‬آليات‭ ‬التواصل‭ ‬وتعدد‭ ‬قنوات‭ ‬التنسيق،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الإشكالات‭ ‬التقليدية‭ ‬جرى‭ ‬تذليلها‭ ‬بفضل‭ ‬التحديثات‭ ‬الإجرائية‭ ‬والتقنية‭ ‬التي‭ ‬تبنتها‭ ‬شؤون‭ ‬الجمارك‭.‬

خمسون‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬الشراكة

بعد‭ ‬مرور‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬إعلان‭ ‬تأسيس‭ ‬اللجنة‭ ‬المشتركة،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬استجابة‭ ‬ظرفية‭ ‬لمشاكل‭ ‬آنية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬محطة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الشراكة‭ ‬بين‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭. ‬فمن‭ ‬معالجة‭ ‬إشكالات‭ ‬التحميل‭ ‬والتنزيل‭ ‬ونقص‭ ‬البضائع،‭ ‬إلى‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬الدولية‭ ‬وأنظمة‭ ‬التخليص‭ ‬الحديثة،‭ ‬لعبت‭ ‬شؤون‭ ‬الجمارك‭ ‬دورا‭ ‬محوريا‭ ‬في‭ ‬تذليل‭ ‬التحديات‭ ‬أمام‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬البحريني‭.‬

إن‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بهذه‭ ‬الذكرى‭ ‬هو‭ ‬احتفاء‭ ‬بنهجٍ‭ ‬متواصل‭ ‬بدأ‭ ‬منذ‭ ‬عهد‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير،‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬الموانئ‭ ‬وتنظيم‭ ‬الإجراءات،‭ ‬واستمر‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬المؤسسي‭ ‬مع‭ ‬الغرفة‭. ‬وبين‭ ‬التأسيس‭ ‬في‭ ‬1976‭ ‬والتحديثات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأخير،‭ ‬تظل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الجمارك‭ ‬وغرفة‭ ‬البحرين‭ ‬نموذجا‭ ‬وطنيا‭ ‬في‭ ‬التكامل‭ ‬لخدمة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتعزيز‭ ‬تنافسية‭ ‬المملكة‭.‬

 

‭*‬مدير‭ ‬أول‭ ‬سابق‭ ‬بغرفة‭ ‬تجارة‭ ‬وصناعة‭ ‬البحرين