الربح في وقت الخسارة

| علي جلال

كيف يمكن لمؤسسة مالية أعلنت خسارة في نشاطها التشغيلي أن توزع على مساهميها - في الوقت نفسه - أرباحًا سخية؟! كيف؟ الجواب يكشفه دهاء بعض رؤساء مجالس الإدارة وعمق فكرهم الاستشرافي. من المهم دائمًا التعلّم من كل موقف أو أزمة تحل على الإنسان أو المجتمع، فيقوى بها ويزداد مرونةً وحنكةً، وتتوسع آفاقه، وتزداد تجربته. ويمكن لأي متابع للأداء المالي خلال السنوات الطويلة الماضية للجمعيات العمومية للعديد من الشركات والبنوك العاملة في البلاد وغيرها أن يجد مشهدًا كبيرًا حاضرًا، هو دهاء وخبرة بعض رؤساء مجالس الإدارة وأعضائها، وفكرهم الاستشرافي العميق، حيث كانوا يوجّهون جزءًا مهمًا من أموال المؤسسة للاستثمارات المتنوعة في مجالات مختلفة وعديدة، وبعضها كان في أبعاد جغرافية بعيدة، ما مكّنهم من تحقيق أرباح وعوائد مالية كبيرة في أصعب الظروف الاقتصادية المحليّة، أو في حالات الكوارث والحروب، وبالتالي يمكّنهم ذلك من رفع توصيات إلى الجمعيات العمومية لعمل توزيعات سخية للمساهمين بالرغم من انخفاض النشاط الرئيس لعمليات المؤسسة؛ فهي لم تحقق هذا القدر من الربحية خلال السنة المالية الذي يسمح بمثل هذا التوزيع من الأرباح عنها، بل الأعجب أن بعض السنوات التي شهدت خسارة كبيرة في عمليات ونشاط المؤسسة الأساسي، إلا أنها تمكّنتْ من توزيع أرباح على المساهمين من خلال تنوع استثماراتها، وبفضل تنويعها الجغرافي الواسع في أسواق الشرق والغرب، في حين عانت مؤسساتٌ اقتصرت على السوق المحلية من ضغوط حادة على سيولتها، ما أوقعها في مشكلات معقّدة وأجبرها على قراراتٍ قاسية. ولعل الوقت اليوم مناسب جدًّا بعد أزمة الأحداث الأخيرة وموجة العدوان التي تأثرت بها البحرين للنظر في بناء استثمارات جديدة للمؤسسات التي كانت تقتصر عملياتها على الحيز الجغرافي المحلي فقط، وضرورة أن تمتد العمليات والأذرع الاستثمارية إلى أبعاد جغرافية بعيدة، وذلك للنأي بها عن أية أضرار إذا ما تكرر حدوث أحداث مماثلة - لا قدر الله - بعد أن ظهرت أهمية ذلك لاستمرار تدفقات الأرباح والعوائد وسط عواصف الأزمات الاقتصادية التي قد تحدث وتحلّ آثارها السلبية، وهذا يستدعي من الجهات التنظيمية والشركات المساهمة على حدٍّ سواء مراجعة استراتيجياتها الاستثمارية وفق هذا التوجه. نجد اليوم حاجة لتوليد الأفكار، خصوصًا ونحن نعيش قرب جار السوء الذي لم يرعَ حقوق جيرانه ومازال يكرر تهديداته، ما ولّد مناخًا مليئًا بالتحديات التي ستزيدنا قوةً ومنعةً بعون الله تعالى، ويمكن الحصول خلالها على فرص وأفكار جديدة للبناء الاقتصادي واستشراف المستقبل برؤية تراعي كل هذه التحديات، وتكون محصّنة بشكل أفضل، ومنتجة بشكل أكبر، وبذلك يتحقق الخير الوفير للبلاد. حفظ الله البحرين قيادةً وشعبًا، ورزقها من أوسع أبوابه.

*كاتب بحريني