سيادة الهوية وأمانة الوطن
| د. بثينة خليفة قاسم
تُظهر المسيرة التشريعية في مملكة البحرين أن السيادة الوطنية للدولة تُمارس برؤيه ثاقبه في زمن التحولات الجسيمة. ويتسق هذا الموقف مع حكمة جلالة الملك المعظم -حفظه الله ورعاه- التي تتسم بالحرص البالغ على الأمن الوطني والهوية. إن نقل قضايا الجنسية من أروقة القضاء إلى نطاق أعمال السيادة الخالصة من شأنه أن يسهم في حماية حمى الوطن، ويحول دون أي تجاذبات قد تنال من شرف وهيبة قرارات الدولة.
إن الهوية أسمى من مجرد وثائق رسمية وإجراءات بيروقراطية، فهي الاتحاد المقدس بين الأرض والشعب وتاريخ الدولة. وحين تُعتبر الجنسية عملاً سيادياً، فإن الركيزة الأساسية للدولة -وهي الإنسان- تظل محصنة. ولعل التجارب المستفادة في دول مجلس التعاون الخليجي، ولاسيما ما تشهده دولة الكويت في معالجتها القانونية لملف ازدواج الجنسية ومن اكتسبوها بغير وجه حق، تثبت ما قد ينجم عن التراخي في هذا الملف من ظواهر سلبية تهدد الهوية الوطنية، وتخلق تعقيدات في الولاء، وتلقي بأعباء ثقيلة على موارد الدولة ومستقبل أجيالها.
إن الخطوات التي تُتخذ في دوله الكويت الشقيقه اليوم للقضاء على الازدواجية وحالات التجنيس غير المصرح بها، تعكس ما هو أبعد من مجرد استعادة الإطار القانوني، فهي استجابة لمطلب شعبي ملحّ لصون هيبة الهويه. والبحرين، بهويتها العريقة والفريدة، تقتضي النهج ذاته، إذ لا سبيل لحماية شرف الجنسية البحرينية إلا بقطع الطريق على محاولات استحداث أوضاع قانونية تتعارض مع المصالح الوطنية العليا.
إن النهج الحذر في تناول هذا الملف ينبع من طبيعته الحساسة، ومع ذلك، فإن محبة هذا الوطن تفرض علينا التأكيد أن بناء المستقبل يبدأ من تحصين الحاضر، وهو ما يتطلب سد الثغرات التشريعية لتأمين حماية دائمة لقرارات الدولة، ومنع أي محاولات للعبث بالتركيبة الديمغرافية أو الهوية الثقافية. ومن هنا، وجب استعادة دور "القرار السيادي" كأداة وحيدة لحماية وتأكيد حقيقة الانتماء والولاء.
إن تبني سياسة خليجية موحدة في هذا الشأن يجد مبرراته في وحدة المصير والتاريخ المشترك، فالتهديدات التي تواجه الهوية الخليجية واحدة، والعلاج يكمن في السيادة الحازمة التي تجعل من مصلحة الدولة المعيار الأسمى.
إن المسئولية تقتضي اليوم الالتفاف حول الرؤية الملكية السامية، فصون هوية الدولة هو الأمانة الوطنية الكبرى التي يجب أن تورث للأجيال القادمة، بحرين قوية بهويتها الفريدة وسيادتها الوطنية المطلقة.