فضاءات

من المنتصر؟

| رضي السماك

فور‭ ‬إعلان‭ ‬الهدنة‭ ‬العسكرية‭ ‬الهشة‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وإيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬انقسم‭ ‬المحللون‭ ‬والكتّاب‭ ‬والمثقفون‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬بأسره،‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬الطرف‭ ‬الذي‭ ‬انتصر‭ ‬في‭ ‬الحرب‭. ‬وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬فإن‭ ‬كليهما‭ ‬أعلن‭ ‬انتصاره‭ ‬الساحق‭ ‬على‭ ‬الآخر،‭ ‬وأن‭ ‬عليه‭ ‬رفع‭ ‬راية‭ ‬الاستسلام‭ ‬والقبول‭ ‬بشروطه‭ ‬في‭ ‬المفاوضات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعقّد‭ ‬جولتها‭ ‬الثانية‭ ‬المنتظرة،‭ ‬كما‭ ‬عقّد‭ ‬جولتها‭ ‬الأولى‭. ‬والحق‭ ‬فإن‭ ‬المنتصر‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬جنون‭ ‬البربرية‭ ‬والهمجية‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬وتضررت‭ ‬منها‭ ‬دول‭ ‬وشعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬أيما‭ ‬ضرر‭.‬

لا‭ ‬خلاف‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬لحقها‭ ‬دمار‭ ‬هائل‭ ‬بقدراتها‭ ‬العسكرية‭ ‬ومنشآتها‭ ‬للطاقة‭ ‬وبنيتها‭ ‬التحتية،‭ ‬وكذلك‭ ‬ما‭ ‬لحق‭ ‬بعمرانها‭ ‬وشعبها‭ ‬من‭ ‬أضرار‭ ‬شنيعة‭ ‬وقاسية،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يبرر‭ ‬البتة‭ ‬لجوأها‭ ‬إلى‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬حربية‭ ‬طائشة‭ ‬بحق‭ ‬جاراتها‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬طالت‭ ‬منشآتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمدنية‭ ‬والخدمية‭ ‬والسكنية،‭ ‬وراح‭ ‬ضحيتها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجرحى‭ ‬والقتلى،‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬احتماء‭ ‬الأميركيين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المؤسسات‭ ‬أو‭ ‬ضرب‭ ‬القواعد‭ ‬العسكرية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬قض‭ ‬مضاجع‭ ‬الآمنين‭ ‬الأطفال‭ ‬والشيوخ‭ ‬والنساء‭ ‬والشباب،‭ ‬وترويعهم‭ ‬ليلا‭ ‬ونهارا‭ ‬في‭ ‬بيوتهم‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬الهمجية،‭ ‬أو‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬خنق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬الشريان‭ ‬الحيوي‭ ‬لمنطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬اقتصاديا‭ ‬ومعيشيا،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تملك‭ ‬طهران‭ ‬حق‭ ‬السيادة‭ ‬عليه؛‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬خيارات‭ ‬تأديبية‭ ‬بتشديد‭ ‬الحصار‭ ‬المحكم‭ ‬على‭ ‬موانئها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬المضيق‭ ‬ساحة‭ ‬خطرة‭ ‬لمواجهة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭.‬

وأنت‭ ‬لتتعجب‭ ‬حقًا‭ ‬كيف‭ ‬لنظام‭ ‬ما‭ ‬برح‭ ‬يتباهى‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬بأن‭ ‬شعبه‭ ‬قد‭ ‬وقف‭ - ‬بجميع‭ ‬فئاته‭ ‬وتياراته‭ ‬من‭ ‬ليبراليين‭ ‬ومعارضين‭ ‬وخلافهم‭ - ‬وقفة‭ ‬رجل‭ ‬واحد‭ ‬خلفه‭ ‬ضد‭ ‬العدوان‭ ‬على‭ ‬وطنهم،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬ترحب‭ ‬فيه‭ ‬أصوات‭ ‬ناشزة‭ ‬لدينا‭ ‬بردود‭ ‬فعل‭ ‬طهران‭ ‬بالحرب‭ ‬على‭ ‬شعبها،‭ ‬بل‭ ‬وتكاد‭ ‬تتبنى‭ ‬الدعاية‭ ‬المتهافتة‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بقضها‭ ‬وقضيضها‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬تحفظ‭. 

أو‭ ‬تحجم‭ ‬كثرة‭ ‬من‭ ‬الرموز‭ ‬والقوى‭ ‬الدينية‭ ‬والسياسية‭ ‬عن‭ ‬إبداء‭ ‬مواقفها‭ ‬إزاء‭ ‬ما‭ ‬طال‭ ‬وطنها‭ ‬وشعبها‭ ‬من‭ ‬اعتداءات،‭ ‬وما‭ ‬نجم‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬أضرار‭ ‬فادحة،‭ ‬وذلك‭ ‬إما‭ ‬انسياقا‭ ‬مع‭ ‬عواطفها‭ ‬الفئوية‭ ‬الدينية‭ ‬الضيقة،‭ ‬أو‭ ‬خشية‭ ‬غضب‭ ‬الشارع‭ ‬المؤيد‭ ‬لإيران‭ ‬تجاههم‭.‬

 

‭* ‬كاتب‭ ‬بحريني