مضيق ملقا بين العبور والرسوم

| عبدالله بوقس

ليست‭ ‬قضية‭ ‬مضيق‭ ‬“ملقا”‭ ‬أو‭ ‬“ملاكا”‭ ‬شأنًا‭ ‬آسيويًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الخليج،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مسألة‭ ‬تمس‭ ‬قلب‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬معًا‭. ‬فهذا‭ ‬المضيق،‭ ‬الواقع‭ ‬بين‭ ‬ماليزيا‭ ‬وإندونيسيا‭ ‬وسنغافورة،‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬لأنه‭ ‬يصل‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭ ‬ببحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي،‭ ‬وتعبره‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والبضائع‭ ‬المتجهة‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭. ‬لذلك،‭ ‬حين‭ ‬طُرحت‭ ‬في‭ ‬إندونيسيا‭ ‬فكرة‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬المارة‭ ‬فيه،‭ ‬بدا‭ ‬الأمر‭ ‬كأنه‭ ‬سؤال‭ ‬مالي‭ ‬محلي،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬سؤال‭ ‬عن‭ ‬استقرار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي‭ ‬كله‭. ‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬تحديدًا؟‭ ‬وزير‭ ‬المالية‭ ‬الإندونيسي‭ ‬بوربايا‭ ‬يودهي‭ ‬ساديوا‭ ‬لمح‭ ‬إلى‭ ‬إمكان‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬العابرة‭ ‬لمضيق‭ ‬ملقا،‭ ‬وقال‭ ‬إن‭ ‬الفكرة‭ ‬استُلهمت‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬الإيراني‭ ‬عن‭ ‬رسوم‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬مع‭ ‬إشارته‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العائدات‭ ‬المحتملة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬كبيرة‭ ‬إذا‭ ‬تقاسمتها‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭ ‬المشاطئة‭. ‬لكن‭ ‬الفكرة‭ ‬لم‭ ‬تدم‭ ‬طويلًا؛‭ ‬إذ‭ ‬عاد‭ ‬الوزير‭ ‬نفسه‭ ‬وتراجع‭ ‬عنها‭ ‬سريعا،‭ ‬فيما‭ ‬واجهت‭ ‬رفضا‭ ‬واضحا‭ ‬من‭ ‬ماليزيا‭ ‬وسنغافورة‭. ‬

سبب‭ ‬الرفض‭ ‬ليس‭ ‬سياسيا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬قانونيا‭ ‬أيضا‭. ‬فمضيق‭ ‬ملقا‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬المضائق‭ ‬المستخدمة‭ ‬للملاحة‭ ‬الدولية،‭ ‬واتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لقانون‭ ‬البحار‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬“حق‭ ‬المرور‭ ‬العابر”‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المضائق،‭ ‬وتلزم‭ ‬الدول‭ ‬المشاطئة‭ ‬بألا‭ ‬تعيق‭ ‬هذا‭ ‬المرور‭. ‬ولهذا‭ ‬أكد‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬السنغافوري‭ ‬فيفيان‭ ‬بالاكريشنان‭ ‬أن‭ ‬المرور‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضيق‭ ‬حق‭ ‬أصيل‭ ‬تكفله‭ ‬القواعد‭ ‬الدولية،‭ ‬وليس‭ ‬امتيازًا‭ ‬تمنحه‭ ‬الدولة‭ ‬الساحلية‭. ‬فيما‭ ‬شدد‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬محمد‭ ‬حسن‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬لقرار‭ ‬أحادي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضيق،‭ ‬لأن‭ ‬أمنه‭ ‬وإدارته‭ ‬يقومان‭ ‬على‭ ‬التوافق‭ ‬والتنسيق‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المعنية‭. ‬

لكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬لأن‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ممر‭ ‬بحري،‭ ‬بل‭ ‬شريان‭ ‬تعبره‭ ‬يوميًا‭ ‬نحو‭ ‬23‭.‬2‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬نفط،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬29‭ % ‬من‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط‭ ‬البحرية‭ ‬العالمية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬9‭.‬2‭ ‬مليار‭ ‬قدم‭ ‬مكعبة‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭. ‬والأكثر‭ ‬دلالة‭ ‬خليجيًا‭ ‬أن‭ ‬قرابة‭ ‬60‭ % ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬العابر‭ ‬للمضيق‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬رسومًا‭ ‬أو‭ ‬توترًا‭ ‬أو‭ ‬تعطيلًا‭ ‬فيه‭ ‬لن‭ ‬يبقى‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬البحر،‭ ‬بل‭ ‬سينتقل‭ ‬إلى‭ ‬كلفة‭ ‬الشحن‭ ‬والتأمين،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬والبيوت‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬فكرة‭ ‬الرسوم‭ ‬في‭ ‬ملقا‭ ‬خطة‭ ‬ذكية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تبدو‭ ‬إغراءً‭ ‬قصير‭ ‬العمر‭. ‬فالدول‭ ‬قد‭ ‬تكسب‭ ‬مالًا‭ ‬سريعًا،‭ ‬لكنها‭ ‬تخسر‭ ‬ثقة‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتفتح‭ ‬بابًا‭ ‬خطيرًا‭ ‬لتسييس‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭. ‬وهذا‭ ‬تحديدًا‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يهم‭ ‬الخليج،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬نفطه‭ ‬يمر‭ ‬من‭ ‬هناك،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬استقرار‭ ‬الممرات‭ ‬صار‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬أمنه‭ ‬الاقتصادي‭. ‬الدرس‭ ‬الأوضح‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬المضيق‭ ‬ليست‭ ‬فيما‭ ‬يُجبى‭ ‬عند‭ ‬حافته،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بقائه‭ ‬مفتوحًا‭ ‬وآمنًا؛‭ ‬فالبحار،‭ ‬مثل‭ ‬الشرايين،‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬ضغط،‭ ‬يدفع‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬ثمن‭ ‬الاختناق‭.‬

 

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور