هل هم خونة فقط؟

| فاطمة عادل سند

‭ ‬سيدي‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظكم‭ ‬الله‭ ‬وأمدّ‭ ‬في‭ ‬عمركم‭: ‬إن‭ ‬توجيهكم‭ ‬السريع‭ ‬بمحاسبة‭ ‬من‭ ‬تسوّل‭ ‬له‭ ‬نفسه‭ ‬المساس‭ ‬بأمن‭ ‬الوطن‭ ‬واستقراره،‭ ‬كان‭ ‬بلسمًا‭ ‬لقلوب‭ ‬أبناء‭ ‬البحرين‭ ‬الأوفياء؛‭ ‬فالبحرين‭ ‬لا‭ ‬تهون‭ ‬على‭ ‬أهلها،‭ ‬وجرح‭ ‬الغدر‭ ‬لا‭ ‬يندمل،‭ ‬والطعنة‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬بيننا،‭ ‬ممّن‭ ‬ربّتهم‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬واحتضنتهم‭. ‬فكيف‭ ‬يُفرّطون‭ ‬بأغلى‭ ‬ما‭ ‬يملكون؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬جنوه‭ ‬ثمنًا‭ ‬لذلك؟‭ ‬وأية‭ ‬عاقبة‭ ‬تنتظرهم‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬والآخرة؟

كلُّ‭ ‬من‭ ‬باع‭ ‬نفسه‭ ‬لإيران،‭ ‬وتخابر‭ ‬معها،‭ ‬وسرّب‭ ‬الإحداثيات،‭ ‬والتقط‭ ‬الصور،‭ ‬وأدلى‭ ‬بالمعلومات،‭ ‬أو‭ ‬أبدى‭ ‬الفرح‭ ‬وأيّد‭ ‬هجماتها‭... ‬كلّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬التصقت‭ ‬بهم‭ ‬صفة‭ ‬“الخائن”،‭ ‬والخيانة‭ ‬داء‭ ‬عضال‭ ‬استفحل‭ ‬في‭ ‬قلّة‭ ‬هانَ‭ ‬عليها‭ ‬انتماؤها‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬بتواطئها‭ ‬مع‭ ‬عدوّ‭ ‬الوطن‭. ‬فهل‭ ‬هؤلاء‭ ‬مجرّد‭ ‬خونة‭ ‬فحسب؟

لغويًّا،‭ ‬الخيانة‭ ‬نقص؛‭ ‬يقال‭ ‬“خانته‭ ‬قواه”‭ ‬أي‭ ‬ضعفت،‭ ‬ولا‭ ‬شكّ‭ ‬أن‭ ‬الخائن‭ ‬قد‭ ‬نقصت‭ ‬أمانته‭. ‬كما‭ ‬ترتبط‭ ‬الخيانة‭ ‬بنقض‭ ‬الإنسان‭ ‬للعهود،‭ ‬وفعل‭ ‬نقيض‭ ‬ما‭ ‬اؤتُمن‭ ‬عليه‭. ‬وأمّا‭ ‬خيانة‭ ‬الوطن‭ ‬والغدر‭ ‬به‭ ‬فهو‭ ‬أشدّ‭ ‬وطأة،‭ ‬وأقرب‭ ‬إلى‭ ‬النفاق؛‭ ‬إذ‭ ‬إنّ‭ ‬كل‭ ‬منافق‭ ‬خائن؛‭ ‬فالنفاق‭ ‬طبعٌ‭ ‬لا‭ ‬موقفٌ‭ ‬عابرٌ‭ ‬قد‭ ‬اعتاد‭ ‬صاحبه‭ ‬التلوّنَ،‭ ‬وإخفاء‭ ‬الحقيقة،‭ ‬والكذب،‭ ‬وخلف‭ ‬الوعود،‭ ‬وهو‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الخيانة‭ ‬إذْ‭ ‬إنه‭ ‬يشمل‭ ‬الفعل‭ ‬والمعتقد،‭ ‬ولا‭ ‬يخون‭ ‬وطنه‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬اختلت‭ ‬بوصلته‭ ‬العقدية‭. ‬ويُلاحظ‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الخونة‭ ‬المتخابرين‭ ‬من‭ ‬اعتاد‭ ‬الإضرار‭ ‬بهذا‭ ‬الوطن،‭ ‬ولم‭ ‬يرتدع‭ ‬بالإفراج‭ ‬والعفو‭ ‬من‭ ‬العقوبة،‭ ‬ولا‭ ‬بإرجاع‭ ‬الجنسية‭ ‬المسحوبة،‭ ‬لتتجلّى‭ ‬الخيانة‭ ‬بوصفها‭ ‬طبعًا‭ ‬راسخًا،‭ ‬ونفاقًا‭ ‬معلومًا،‭ ‬يجعل‭ ‬توصيف‭ ‬فعلهم‭ ‬بالخيانة‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬يكفي،‭ ‬لأنّ‭ ‬التخابر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وليد‭ ‬لحظة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬علاقة‭ ‬محرّمة‭ ‬مجرَّمة‭ ‬استمرّت‭ ‬في‭ ‬الخفاء‭ ‬لسنوات،‭ ‬وتزيّنت‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬بادّعاء‭ ‬المواطنة‭ ‬الصالحة.

والخائن‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬مبغوض‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭: (‬إِنَّ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬لَا‭ ‬يُحِبُّ‭ ‬كُلَّ‭ ‬خَوَّانٍ‭ ‬كَفُورٍ‭) ‬“الحج‭: ‬38”،‭ ‬والكفر‭ ‬هنا‭ ‬جحود‭ ‬النعمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬أكل‭ ‬من‭ ‬خيرات‭ ‬الوطن،‭ ‬وعاش‭ ‬آمنًا‭ ‬فيه،‭ ‬ثم‭ ‬غدر‭ ‬به‭. ‬لكن‭ ‬مهما‭ ‬تآمروا‭ ‬فلن‭ ‬تتحقّق‭ ‬مآربهم؛‭ ‬فالله‭ ‬غالب‭ ‬على‭ ‬أمره،‭ ‬وهو‭ ‬القائل‭ ‬عزّ‭ ‬من‭ ‬قال‭: (‬وَأَنَّ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬لَا‭ ‬يَهْدِي‭ ‬كَيْدَ‭ ‬الْخَائِنِينَ‭) ‬“يوسف‭: ‬52”،‭ ‬وقد‭ ‬وصف‭ ‬النبي‭ ‬ﷺ‭ ‬مَنْ‭ ‬نقض‭ ‬العهود‭ ‬بأنهم‭ ‬“حثالة”؛‭ ‬فعن‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬العاص‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنهما‭ ‬أنَّ‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ - ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ - ‬قال‭: ‬“يُوشِك‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬زمانٌ‭ ‬يُغَربَل‭ ‬النَّاسُ‭ ‬فيه‭ ‬غَربلةً،‭ ‬تبقى‭ ‬حُثَالةٌ‭ ‬من‭ ‬النَّاس‭ ‬قد‭ ‬مَرِجَت‭ ‬عهودُهم‭ ‬وأماناتهم،‭ ‬واختلفوا‭ ‬فكانوا‭ ‬هكذا”،‭ ‬وشبك‭ ‬بين‭ ‬أصابعه‭.  ‬

ومصداقًا‭ ‬لنبوءته،‭ ‬صلّى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلّم،‭ ‬ستبقى‭ ‬فئة‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الزمان‭ ‬قد‭ ‬اختلّت‭ ‬أماناتها‭ ‬ومرجت‭ ‬عهودها‭..‬”‭ ‬وهذه‭ ‬صورة‭ ‬بليغة‭ ‬لخطورة‭ ‬الخيانة‭ ‬وانحطاط‭ ‬من‭ ‬يأتيها،‭ ‬فليس‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬ما‭ ‬يبيح‭ ‬الخيانة‭ ‬أو‭ ‬يبرّرها‭.‬

ختامًا،‭ ‬نجدد‭ ‬شكرنا‭ ‬وولاءنا‭ ‬ومساندتنا‭ ‬لملكنا‭ ‬المعظم،‭ ‬الذي‭ ‬تفديه‭ ‬البحرين‭ ‬وأهلها،‭ ‬سائلين‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يديم‭ ‬رايتها‭ ‬عالية‭. ‬ونؤكد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تسوّل‭ ‬له‭ ‬نفسه‭ ‬الإضرار‭ ‬بهذا‭ ‬الوطن،‭ ‬خائن‭ ‬متمادٍ‭ ‬في‭ ‬النفاق،‭ ‬وستكون‭ ‬للقانون‭ ‬كلمته‭ ‬الرادعة‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭.‬

 

كاتبة‭ ‬بحرينية‭ ‬وباحثة‭ ‬قانونية