ما تبقّى من الضوء: تذبذبات نزار قباني في الوجود
| د.محمد الزكري
في ذكرى رحيل نزار قباني Nizar Qabbani، أهدي هذا النص إلى حضوره الذي لم يغادر، إلى شاعرٍ ما زال صوته يكتبنا أكثر مما نكتبه، وإلى لغةٍ علمتنا أن الانكسار يمكن أن يكون شكلاً آخر من الجمال.
هذه نثريتي الشعرية، أحاول فيها أن أقتفي أثر كتاباته لا حضورها، أن ألمس ظلّها الخافت، أن أستعيد عبقها كما يُستعاد أثر عطرٍ قديم في ذاكرة بعيدة، وأن أقترب من انكساراته كما تُقترب يدٌ من جرحٍ قديم لا يُراد له أن يلتئم تمامًا، وأن ألتقط شيئًا من تمرده الذي جعل للكلمة قلبًا يمشي بيننا.
هذا النص ليس تقمّصًا مباشرًا لروحه، بل محاولة لكتابة “ظلّ التجربة” لا التجربة نفسها، وترك المعنى يحدث داخل الصورة بدل شرحه. وهي طريقة في الكتابة تعلّمتها من ذلك الأثر الذي تركه في اللغة، ومن إيمانه بأن الشعر لا يقول المعنى… بل يوقظه.
ما تبقّى من الضوء لم أعد أختبئ من حزني… صار يمشي أمامي مطمئنًا كأنه يعرف البيت أكثر مني. نسيتُ تقاويم الوقت، وأتنفّس هواءً لا يسألني عن مزاجي، ونسيتُ الطرقات حتى صرتُ أمشي بلا اسمٍ يعرّفني. الياسمين لم يعد أبيض… صار وجهًا يتأملني في الخفاء، كأنه يعرف أن شيئًا في داخلي لم يعد يشبهني. واسمُها… لم يعد يمرّ كعطرٍ خفيف، بل صار سؤالًا يعلق في صدري: من خسر الآخر أولًا؟ يا ورد… أعرف أنك لا تزهر لأجلي، كنتَ تتدرّب على الغياب في حدائق لا تنتظر أحدًا. كل ما حولي كان ناقصًا دون أن يعترف، يتجمّل بالكذب الأبيض كما كنتُ أتجمّل بالتماسك. الصمت لم يعد صمتًا… صار طريقًا ضيقًا أتعلم فيه كيف أسمع نفسي لأول مرة. لم أعد أبتسم لأخفي وجعي، بل لأتأكد أنني ما زلتُ هنا… وأنني لم أتحوّل بعد إلى ذكرى تمشي على قدمين. حتى الأزهار لم تعد تُواسيني، تركتها تذهب في جمالها، وتركتُ نفسي في فوضاي الوحيدة. وهكذا… لم أعد بين عطرٍ وغياب، بل صرتُ أمشي وفي صدري معنى لا يُقال، ولا يكتمل…