لجنة المشاريع المتعثرة.. قراءة عميقة في جراحة مؤلمة (2-2)
| عبدالله مراد
في المقال السابق، حاولنا أن نفهم كيف تبدأ رحلة التعثر، وكيف تتراكم الأخطاء والظروف حتى تصل المشاريع إلى لحظة التوقف. لكن ما يحدث بعد ذلك لا يقل أهمية بل ربما يكون هو الفصل الأكثر حساسية، حين نغوص في تحليل ملف المشاريع المتعثرة، لا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي تقوم به لجنة تسوية المشاريع. هذه اللجنة ليست مجرد جهة إدارية، بل تمثل ذراعًا تنظيميًّا ذا ثقل قانوني ورسمي، يعمل ضمن إطار مؤسسي يحظى بدعم مباشر من أعلى مستويات الدولة. والذي يترجم عبر رئاسة معالي الشيخ خالد بن عبدالله آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء، وهو ما يعكس حجم الأهمية الممنوحة لهذا الملف. من وجهة نظري، فإن قوة هذه اللجنة لا تكمن فقط في صلاحياتها، بل في الثقة التي تحظى بها، وقدرتها على التحرك في ملفات معقدة تمس المجال الاقتصادي بشكل عام. تبدأ القصة الحقيقية عندما يتحول التعثر من مجرد احتمال إلى واقع ملموس. عندها، يتم إحالة الملف إلى اللجنة المختصة، سواء عبر الجهات الرقابية أو نتيجة شكاوى أو قضايا متراكمة من المشترين، أو حتى بطلب من المطور نفسه. ومع الإعلان الرسمي عن تشكيل اللجنة، تبدأ مرحلة تتسم بالشفافية، حيث يتم تحديد نطاق العمل والإعلان الرسمي عن بدء جمع البيانات. في هذه المرحلة، لا يُنظر إلى المشروع كهيكل إنشائي متوقف، بل كملف متكامل يتضمن أصولًا، والتزامات، ونسب إنجاز، وحقوق متعددة. إنها لحظة التشخيص التي تُعاد فيها قراءة المشروع من بدايته، لكن هذه المرة بعين قانونية ومالية أكثر واقعية. بعد ذلك، ندخل في واحدة من أهم المراحل، وهي تصنيف الديون والحقوق. يمكن تقسيم الالتزامات إلى أربعة أنواع رئيسة: ديون تمويلية مرتبطة بالبنوك والرهن العقاري، ديون الموردين والمقاولين، حقوق المشترين الذين دفعوا مقدمات أو أقساط، وأخيرًا مستحقات الاستشاريين والفنيين وأتعاب القانونيين. هذا التصنيف ليس مجرد ترتيب شكلي، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه جميع القرارات اللاحقة التي تقسم الديون والالتزامات بين الممتازة غير القابلة للنقاش، والأخرى التي قد يتم إعادة النظر فيها مثل الفوائد والأرباح والتأخير. ومن ثم يتم اتخاذ قرار حاسم بإيقاف النزيف المالي، من خلال تجميد المصروفات ووقف تضخم الديون. فاستمرار النزاع دون ضبط يؤدي إلى تضخم المديونية، خاصة مع اللجوء إلى المسارات القانونية وما يصاحبها من رسوم وأتعاب وفوائد إضافية، وهو ما يعقد المشهد أكثر بدلًا من حله. عند استقرار الصورة، تبدأ مرحلة رسم سيناريوهات الحل. وهذه المرحلة لا تعتمد على نموذج واحد، بل تختلف باختلاف طبيعة كل مشروع. قد يكون الحل في استقطاب مطور جديد قادر على استكمال المشروع، أو في إعادة جدولة الالتزامات، أو حتى في تصفية المشروع عبر مزاد علني أو من خلال نظام “قسمة الغرماء” لضمان توزيع الحقوق بعدالة. وفي بعض الحالات، قد يتم نقل الملكية إلى جهات دائنة مثل البنوك أو الشركات الاستثمارية. هنا، تتحول اللجنة فعليًا إلى “مدير أزمة”، يوازن بين ما هو ممكن ماليًا وما هو عادل قانونيًا. والهدف في نهاية المطاف لا يقتصر على إنقاذ مشروع بعينه، بل يمتد إلى استعادة الثقة في السوق، ومنع انتقال أثر التعثر إلى مشاريع أخرى. في الختام، ورغم مرارة العلاج وتعقيد المشهد، أجد نفسي أميل إلى حسن الظن بهذه المنظومة. فالتجارب السابقة في البحرين أثبتت أن هناك مشاريع استطاعت الخروج من عنق الزجاجة، وعادت للحياة بأشكال مختلفة. وجود لجنة بهذا المستوى من التنظيم والخبرة لا يجب أن يُنظر إليه فقط كحل للأزمات، بل كضمانة لعدم تكرار الأخطاء السابقة. والتعثر سيبقى جزءًا من دورة السوق، لكن طريقة التعامل معه هي ما تصنع الفارق الحقيقي بين سوق يتعثر وتتوقف عجلة التنمية.. وسوق يتعلم وينهض من جديد.
خبير عقاري