القطاع الخاص الخليجي بين أزمتين: دروس 1990 في مواجهة واقع أكثر تعقيدا

| خالد عبدالله المرباطي

 في خريف عام 1990، لم يكن فندق إنتركونتيننتال أبوظبي مجرد موقع لاجتماع اقتصادي عابر، بل كان مسرحًا للحظة استثنائية فرضتها تداعيات الغزو العراقي لدولة الكويت، حيث تقاطعت السياسة بالاقتصاد، وبرزت تحديات غير مسبوقة أمام القطاع الخاص الخليجي. في تلك الفترة، كانت من ضمن مهامي عملية تنسيق أعمال اللجان القطاعية في الأمانة العامة لاتحاد الغرف العربية الخليجية، وكان الاتحاد يضم في عضويته آنذاك اتحاد الغرف التجارية العراقية، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة. وقد شاركت في ذلك الاجتماع إلى جانب نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة البحرين آنذاك، السيد علي صالح الصالح (رئيس مجلس الشورى حاليًا) الذي قدم ورقة الاتحاد، وأمين عام الاتحاد السيد محمد عبدالله الملا. جاء إجتماع 8 نوفمبر 1990 في سياق اقتصادي مضطرب، حيث لم تقتصر آثار الأزمة على الجانب السياسي أو الأمني، بل امتدت سريعًا إلى قلب النشاط التجاري. كان الهدف الأساسي واضحًا: بحث التداعيات الاقتصادية للحرب، وعلى وجه الخصوص الارتفاع الحاد في أقساط التأمين ضد أخطار الحرب، التي فرضتها شركات إعادة التأمين العالمية، وفي مقدمتها لويدز لندن. فجأة، وُضعت منطقة الخليج بأكملها ضمن تصنيف “منطقة حرب”، ما أدى إلى مضاعفة تكاليف الشحن والتأمين بشكل أربك حسابات التجارة الوطنية. النقاشات التي دارت في ذلك الاجتماع عكست إدراكًا مبكرًا لطبيعة الاقتصاد العالمي في أوقات الأزمات. لم تكن المشكلة في إغلاق الممرات البحرية، بل في كلفة العبور عبرها. فالسفن يمكنها الإبحار، لكن بتكاليف تأمين باهظة قد تجعل الرحلة غير مجدية اقتصاديًا. وهنا برزت حقيقة وهي: “من يحدد كلفة المخاطر في زمن الأزمات” ليس فقط القوى العسكرية، بل أيضًا شركات التأمين وإعادة التأمين التي تعيد رسم خريطة المخاطر. تناولت مداولات الاجتماع جملة من القضايا، أبرزها كيفية مواجهة قرار شركات التأمين العالمية، والتعامل مع الزيادات الكبيرة التي تراوحت آنذاك بين 180 و 250 دولارًا للحاوية الواحدة، إضافة إلى رسوم أخرى مرتبطة بتقلبات العملات والوقود. وقد عرض السيد علي الصالح، عبر ورقة عمل متكاملة، مقترحات عملية، من بينها إنشاء صندوق خليجي لتأمين أخطار الحرب، يساهم في تخفيف الأعباء واحتفاظ جزء أكبر من أقساط التأمين داخل المنطقة. كما أوصى المجتمعون بتشكيل فريق تفاوضي مع مؤسسات التأمين العالمية، ودعم الصندوق العربي للتأمين ضد أخطار الحرب، والعمل على توحيد المواقف بين شركات التأمين والملاحة الخليجية. ولم تكن هذه التوصيات نظرية فقط، بل حملت طابعًا تنفيذيًا نسبيًا، إذ تولت الأمانة العامة للاتحاد متابعة تنفيذها والتنسيق بين الأطراف المعنية. اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تعود المنطقة لمواجهة توترات مشابهة في بعض ملامحها، وإن اختلفت في سياقاتها. مرة أخرى، يعود التأمين البحري إلى الواجهة، وتظهر نفس المعادلة: الممرات قد تفتح جغرافيًا، لكنها قد تُغلق اقتصاديًا بفعل ارتفاع كلفة المخاطر. وهذا ما تؤكده التطورات الراهنة، حيث تلعب قرارات تسعير الخطر دورًا حاسمًا في تحديد استمرارية التجارة. غير أن المقارنة بين عام 1990 واليوم تكشف عن فارق مهم في دور اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي. ففي حين أن القطاع الخاص اليوم لا يزال يملك في الغالب أداة “التوصية” والتأثير غير المباشر، فإن اجتماع نوفمبر 1990 اتسم بقدر أكبر من الطابع التنفيذي، سواء من حيث سرعة التحرك أو وضوح المبادرات المطروحة، أو حتى مستوى التنسيق بين الأطراف المختلفة. لقد أظهرت تجربة 1990 أن الأزمات الكبرى يمكن أن تتحول إلى لحظات تأسيسية، تدفع نحو بناء أدوات إقليمية أكثر استقلالًا في إدارة المخاطر. واليوم، ومع تعاظم دور المؤسسات المالية العالمية في تحديد كلفة التجارة، يصبح من الضروري إعادة التفكير في الأمن الاقتصادي الخليجي، ليس فقط من زاوية حماية الممرات، بل أيضًا من زاوية التحكم في أدوات التمويل والتأمين. ختامًا، ففي زمن الأزمات، لا تُحسم الأمور في الميدان وحده، بل في كلفة المخاطر أيضًا. وبينهما تتحدد قدرة الاقتصادات على الصمود، في عالم يعيد تشكيل نفسه مع كل أزمة. 

 

‭*‬مدير‭ ‬أول‭ ‬سابق‭ ‬بغرفة‭ ‬تجارة‭ ‬وصناعة‭ ‬البحرين