السيليكون يعارض البنتاجون

| ياسر سليم

في لحظةٍ فارقة تتقاطع فيها خرائط القوة مع خرائط الوعي، جددت شركة أنثروبيك معارضتها لمطالب البنتاجون لها بإتاحة تقنياتها لأغراض عسكرية. ظهر الخلاف للعلن قبل أسابيع، فمن صمت المختبرات إلى صخب السياسة، خرجت الشركة لتعلن—بلغةٍ أقرب إلى البيان الفلسفي منها إلى الرد المؤسسي—أن ثمة حدودًا لا ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يعبرها، حتى وإن استدعتها ضرورات الأمن القومي.  في الجهة المقابلة، تقف وزارة الدفاع الأميركية بثقلها السيادي، مطالبة بصلاحيةٍ مطلقة تتيح لها توظيف الخوارزميات في كل ما يندرج تحت مظلة “الاستخدام القانوني”، دون استثناءاتٍ تفرضها شركاتٌ خاصة أو ضوابط تُملَى من خارج مؤسسة الدولة. هنا، لا يدور النزاع حول سطور الكود بقدر ما يتفجر حول سؤالٍ أعمق: من يملك “الميزان الأخلاقي للسيليكون”؟ الدولة التي تحتكر قرار الحرب، أم المبتكر الذي يزعم حق الوصاية على “ذريته الرقمية”؟ حين أعلن داريو أموداي رفضه منح وصولٍ غير مقيد لنماذج مثل كلود، لم يكن ذلك تمرّدًا على السلطة بقدر ما كان محاولة لإعادة تعريف حدودها، في زمنٍ لم تعد فيه القوة حكرًا على الجيوش، بل امتدت إلى خوارزمياتٍ قد تقرر—ببرودٍ رياضي—مصائر البشر. تتبدّى خطورة هذا الصدام في نقطتين تشكلان، معًا، جوهر القلق المعاصر: المراقبة الجماعية، والأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل. ففي الأولى، تخشى أنثروبيك انزلاق “الأنسنة الرقمية” إلى نقيضها، حيث تتحول الخوارزميات من أدواتٍ لفهم المجتمع إلى آلاتٍ لإخضاعه، تُحلّل السلوك لا لتفسيره بل لتطويعه.  أما في الثانية، فإن فكرة إخراج الإنسان من “دائرة القرار” تبدو—في نظر أموداي—قفزةً نحو مجهولٍ أخلاقي، حيث تُمنح الآلة حق اتخاذ قرار الحياة والموت دون قلبٍ يخفق أو ضميرٍ يتردد. في المقابل، لا ترى وزارة الدفاع الأميركية في هذه التحفظات سوى عائقٍ أمام منطق الدولة الحديثة، التي تعتبر نفسها صاحبة الحق الحصري في تحديد أوجه استخدام القوة، بما في ذلك القوة الخوارزمية. ومن هذا المنظور، تبدو “الخطوط الحمراء” التي تضعها الشركات أشبه بمحاولة فرض فلسفةٍ خاصة على مؤسسةٍ سيادية، وهو ما يفتح الباب أمام توترٍ غير مسبوق بين “الغطرسة التقنية” و”الشرعية القانونية”. غير أن المفارقة الأكثر إثارة تكمن في هذا التناقض الصارخ: التقنية نفسها تُصنّف كركيزةٍ للأمن القومي، وفي الوقت ذاته تُلوَّح ضد مطوّريها أدوات الضغط والإقصاء إن لم يمتثلوا. وكأننا أمام علاقةٍ ملتبسة، تحتاج فيها الدولة إلى الابتكار بقدر ما تخشى استقلاله. 

إن ما نشهده ليس مجرد خلافٍ عابر، بل إرهاصٌ لمرحلةٍ جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين السلطة والمعرفة، بين من يملك القوة ومن يصنعها.  ومع تسارع سباق التسلح الخوارزمي، يظل السؤال معلقًا في فضاء المستقبل: هل سيظل “الضمير” قادرًا على كبح جماح الآلة، أم أن ضرورات الصراع ستعيد تعريف الأخلاق ذاتها، لتصبح مجرد متغيرٍ آخر في معادلة الحرب؟