قراءة في الإطار الدستوري والدولي لأي اتفاق ناشئ عن مفاوضات إسلام آباد يعزز استقرار المنطقة (2-2)

| د. محمد رضا منصور بوحسين

رابعا‭: ‬التحديات‭ ‬والعقبات‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬ملزم

أولًا‭: ‬التحدي‭ ‬الدستوري‭ ‬الأميركي‭ ‬–‭ ‬صعوبة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬67‭ ‬صوتًا‭:‬

حتى‭ ‬لو‭ ‬أرادت‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬الحالية‭ ‬اتفاقًا‭ ‬ملزمًا،‭ ‬فإن‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬67‭ ‬صوتًا‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬لأي‭ ‬معاهدة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬هو‭ ‬تحدٍ‭ ‬هائل‭. ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬الأميركي‭ ‬منقسم‭ ‬بشدة‭ ‬حول‭ ‬الملف‭ ‬الإيراني،‭ ‬وأي‭ ‬معاهدة‭ ‬ستحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أصوات‭ ‬جمهورية‭ (‬في‭ ‬ظل‭ ‬رئاسة‭ ‬جمهورية‭ ‬أو‭ ‬ديمقراطية‭) ‬لبلوغ‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬الملزم‭ ‬مرهون‭ ‬بتوافق‭ ‬سياسي‭ ‬نادر‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭.‬

ثانيًا‭: ‬التحدي‭ ‬الإيراني‭ ‬–‭ ‬الثقة‭ ‬المعدومة‭ ‬وإصرار‭ ‬الشروط‭:‬

إيران‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬أميركي‭ ‬بحذر‭ ‬بالغ،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أثبتت‭ ‬تجربة‭ ‬2015‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬التنفيذي‭ ‬لا‭ ‬يساوي‭ ‬شيئًا‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬رئيس‭ ‬أميركي‭ ‬مقبل‭. ‬وحتى‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬تمرير‭ ‬الاتفاق‭ ‬كمعاهدة،‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬المعاهدات‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيرها‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة،‭ ‬أو‭ ‬يمكن‭ ‬الانسحاب‭ ‬منها‭ ‬عبر‭ ‬آليات‭ ‬أخرى‭. ‬بعض‭ ‬الفقهاء‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬يمكنه‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬معاهدة‭ ‬حتى‭ ‬بدون‭ ‬موافقة‭ ‬الكونغرس،‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬سلطاته‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬رأي‭ ‬الغالبية‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬قضية‭ (‬Goldwater v‭. ‬Carter 444‭ ‬US 996-‭ ‬1979‭) ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬ضمانة‭ ‬مطلقة‭.‬

ثالثًا‭: ‬التحدي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬–‭ ‬الفيتو‭ ‬غير‭ ‬المعلن

إسرائيل‭ ‬تمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تقويض‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬من‭ ‬خلال،‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬محدودة‭ ‬ضد‭ ‬منشآت‭ ‬نووية‭ ‬إيرانية‭ (‬كما‭ ‬هددت‭ ‬مرارًا‭) ‬والضغط‭ ‬على‭ ‬الكونغرس‭ ‬لرفض‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬شروط‭ ‬إضافية،‭ ‬وقيادة‭ ‬حملات‭ ‬إعلامية‭ ‬وسياسية‭ ‬لتقويض‭ ‬الشرعية‭ ‬الداخلية‭ ‬للاتفاق‭.‬

أي‭ ‬اتفاق‭ ‬قانوني‭ ‬ناجح‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية،‭ ‬إما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فصل‭ ‬المسارات‭ ‬التفاوضية‭ (‬لبنان‭ ‬منفصلًا‭ ‬عن‭ ‬النووي‭) ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التزام‭ ‬أميركي‭ ‬صارم‭ ‬بكبح‭ ‬جماح‭ ‬إسرائيل‭.‬

رابعًا‭: ‬التحدي‭ ‬الدولي‭ ‬–‭ ‬قواعد‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والانسحاب‭:‬

القانون‭ ‬الدولي‭ ‬يمنح‭ ‬الدول‭ ‬حق‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬المعاهدات‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬معينة،‭ ‬مثل‭ ‬“الخرق‭ ‬الجوهري”‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ (‬المادة‭ ‬60‭ ‬من‭ ‬اتفاقية‭ ‬فيينا‭) ‬أو‭ ‬“تغير‭ ‬الظروف‭ ‬الجوهرية”‭ (‬المادة‭ ‬62‭). ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬الاتفاق‭ ‬الملزم‭ ‬ليس‭ ‬محصنًا‭ ‬تمامًا‭ ‬ضد‭ ‬الانسحاب‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬خصوصا‭ ‬إذا‭ ‬طرأت‭ ‬تغييرات‭ ‬جوهرية‭ ‬على‭ ‬التوازنات‭ ‬الإقليمية‭ ‬أو‭ ‬الدولية‭.‬

خامسا‭: ‬التعقيد‭ ‬الدستوري‭ ‬الأميركي‭ ‬–‭ ‬ومعركة‭ ‬الكونغرس‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭ ‬وابرام‭ ‬اتفاق

المفاوضات‭ ‬الحالية‭ ‬تواجه‭ ‬عقبة‭ ‬قانونية‭ ‬داخلية‭ ‬أميركية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬2015،‭ ‬القانون‭ ‬الحالي‭ (‬42‭ ‬USC 2160e‭)‬‮ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الرئيس،‭ ‬إرسال‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬الكونغرس‭ ‬خلال‭ ‬5‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬توقيعه،‭ ‬ليقوم‭ ‬بمراجعته‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬إلى‭ ‬60‭ ‬يومًا‭.‬

خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للرئيس‭ ‬رفع‭ ‬أي‭ ‬عقوبات‭ ‬مفروضة‭ ‬من‭ ‬الكونغرس‭.‬

لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬الأعمق‭: ‬هناك‭ ‬تشريع‭ ‬جديد‭ (‬S.2030‭ - ‬Iran Nuclear Treaty Act‭) ‬يُقدم‭ ‬حاليًا‭ ‬في‭ ‬الكونغرس،‭ ‬ويهدف‭ ‬إلى،‭ ‬اعتبار‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬إيران معاهدة بموجب‭ ‬المادة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬الدستور‭.‬

هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى موافقة‭ ‬ثلثي‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‮ ‬‭(‬67‭ ‬صوتًا‭)‬،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬عدم‭ ‬اعتراض‭ ‬الكونغرس‭.‬

الخلاصة،‭ ‬انه‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬نجحت‭ ‬مفاوضات‭ ‬إسلام‭ ‬آباد،‭ ‬فإن‭ ‬“المعركة‭ ‬الحقيقية”‭ ‬ستكون‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭. ‬

سادسا‭: ‬البدائل‭ ‬الدستورية‭ ‬لاتفاقية‭ ‬ملزمة‭ ‬قابلة‭ ‬للاستمرار

إذا‭ ‬أراد‭ ‬الطرفين‭ ‬تجاوز‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬JCPOA،‭ ‬والقيود‭ ‬الدستورية‭ ‬ونسب‭ ‬التصويت‭ ‬المقررة‭ ‬بالكونجرس‭ ‬الأميركي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتضمن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬مستقبلي‭ ‬العناصر‭ ‬التالية‭:‬

1‭ - ‬المسار‭ ‬الدستوري‭ ‬الصحيح‭: ‬معاهدة‭ ‬بموافقة‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ

الطريق‭ ‬الوحيد‭ ‬لجعل‭ ‬الاتفاق‭ ‬“قانونًا‭ ‬أعلى‭ ‬للبلاد”‭ ‬وملزمًا‭ ‬للرؤساء‭ ‬المتعاقبين‭ ‬هو‭ ‬إبرامه‭ ‬كمعاهدة‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬الدستور،‭ ‬بموافقة‭ ‬ثلثي‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ (‬67‭ ‬صوتًا‭). ‬هذا‭ ‬صعب‭ ‬سياسيًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الانقسامات‭ ‬الحزبية‭ ‬الحادة،‭ ‬لكنه‭ ‬الضمان‭ ‬الوحيد‭ ‬للاستمرارية‭.‬

البدائل‭ ‬الدستورية‭: ‬اتفاقية‭ ‬كونغرسية‭ - ‬تنفيذية‭ (‬Congressional-Executive Agreement‭) ‬بموافقة‭ ‬غالبية‭ ‬مجلسي‭ ‬النواب‭ ‬والشيوخ‭. ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬أسهل‭ (‬غالبية‭ ‬بسيطة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الثلثين‭)‬،‭ ‬وتتمتع‭ ‬بقوة‭ ‬القانون‭ ‬الاتحادي،‭ ‬وقد‭ ‬استُخدمت‭ ‬في‭ ‬اتفاقيات‭ ‬تجارية‭ ‬كبرى‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬يعتبرها‭ ‬الكونغرس‭ ‬كافية‭ ‬للاتفاق‭ ‬مع‭ ‬إيران؟‭ ‬هذا‭ ‬موضع‭ ‬خلاف‭.‬

إيداع‭ ‬الاتفاق‭ ‬لدى‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭:‬

أي‭ ‬اتفاق‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُسجل‭ ‬لدى‭ ‬أمانة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ ‬102‭ ‬من‭ ‬الميثاق،‭ ‬ليصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الرسمي،‭ ‬ويُمكن‭ ‬الاحتجاج‭ ‬به‭ ‬أمام‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭.‬

اتفاقية‭ ‬فيينا‭ ‬لقانون‭ ‬المعاهدات‭ ‬1969‭ (‬VCLT‭)‬

اعتماد‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬بنص‭ ‬المادة‭ ‬26‭ ‬و27‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬لتكون‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬بنود‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق،‭ ‬فالمادة‭ ‬27‭ ‬من‭ ‬اتفاقية‭ ‬فيينا‭ ‬تمنع‭ ‬الاحتجاج‭ ‬بالقانون‭ ‬الداخلي‭ ‬كعذر‭ ‬لعدم‭ ‬تنفيذ‭ ‬المعاهدة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي‭. ‬

آلية‭ ‬فض‭ ‬النزاعات‭:‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬يتضمن‭ ‬الاتفاق‭ ‬آلية‭ ‬واضحة‭ ‬لفض‭ ‬النزاعات‭ ‬بشأن‭ ‬التفسير‭ ‬أو‭ ‬التنفيذ،‭ ‬تتضمن‭ ‬التزام‭ ‬الأطراف‭ ‬باللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الوساطة‭ ‬أو‭ ‬التحكيم‭ ‬أو‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية،‭ ‬وليس‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأحادي‭ ‬الجانب‭.‬

المطابقة‭ ‬مع‭ ‬قانون‭ ‬INARA

على‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬الامتثال‭ ‬الكامل‭ ‬لقانون‭ ‬INARA‭.‬

دون‭ ‬الالتزام‭ ‬بهذه‭ ‬المعايير،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬يُبرم‭ ‬في‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬سيكون‭ ‬عرضة‭ ‬لمصير‭ ‬اتفاق‭ ‬JCPOA‭ ‬بحث‭ ‬يبدو‭ ‬ناجحًا‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬توقيعه،‭ ‬لكنه‭ ‬ينهار‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية،‭ ‬ويؤدي‭ ‬الى‭ ‬زعزعة‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والنماء‭ ‬بالمنطقة‭ ‬ويتعارض‭ ‬مع‭ ‬جوهر‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬الامن‭ ‬والاستقرار‭ ‬الدولي‭.‬

 

‭*‬محامٍ‭ ‬ومحكم‭ ‬دولي