جولة داخل الدماغ الإيراني

| سيد ضياء الموسوي

من‭ ‬فهموا‭ ‬تركيبة‭ ‬النرجسية‭ ‬الثورية‭ ‬للحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني،‭ ‬يعرفون‭ ‬نمط‭ ‬الشخصية‭ ‬المعقد‭ ‬لذهنية‭ ‬المسؤول‭ ‬الإيراني،‭ ‬ويفهمون‭ ‬تضاريس‭ ‬دولته‭ ‬ومداخلها،‭ ‬وكل‭ ‬الطرق‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬غابة‭ ‬عقل‭ ‬فيلق‭ ‬القدس‭ ‬وحرسه‭ ‬وجبال‭ ‬“الأنا‭ ‬المتورمة”‭ ‬له،‭ ‬وكيف‭ ‬ينظر‭ ‬للإنسان‭ ‬الإيراني‭ ‬كعلبة‭ ‬سردين‭ ‬ملقاة‭ ‬على‭ ‬رف‭ ‬دكان‭ ‬الثورة،‭ ‬وكيف‭ ‬ينظر‭ ‬بفائض‭ ‬حسد‭ ‬وتدفق‭ ‬سم‭ ‬كراهية‭ ‬تجاه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عربي،‭ ‬وكيف‭ ‬كان‭ ‬يتعاطى‭ ‬مع‭ ‬مواطنيه‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬خوزستان‭ ‬التي‭ ‬زرتها‭ ‬وصدمت‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الخدمات‭ ‬شبه‭ ‬المعدومة‭ ‬لو‭ ‬قمنا‭ ‬بمقارنتها‭ ‬ببقية‭ ‬المناطق‭ ‬كطهران‭ ‬وتبريز‭ ‬وأصفهان‭.. ‬إلخ،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬خوزستان‭ ‬تنام‭ ‬على‭ ‬براميل‭ ‬النفط‭ ‬ومتخمة‭ ‬بالغاز‭.‬

كررت‭ ‬إيران‭ ‬أخطاء‭ ‬تجارب‭ ‬تاريخية‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬وكيانات‭ ‬ذات‭ ‬ملامح‭ ‬شيعية‭ ‬حكمت‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬بالأيديولوجيا‭ ‬لا‭ ‬بفن‭ ‬الإدارة؛‭ ‬فذهبت‭ ‬مع‭ ‬الرياح،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬البويهية،‭ ‬والدولة‭ ‬الفاطمية،‭ ‬والدولة‭ ‬الصفوية،‭ ‬والدولة‭ ‬القاجارية،‭ ‬والدولة‭ ‬الزيدية‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الإيرانية‭ ‬اليوم‭. ‬تقارب‭ ‬في‭ ‬الأخطاء‭ ‬ونهايات‭ ‬كارثية‭ ‬في‭ ‬المصير‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬كل‭ ‬نسخة‭ ‬عن‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬أسباب‭ ‬الانهيار‭.‬

وأكبر‭ ‬عامل‭ ‬لسقوط‭ ‬الدولة‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬أقرب‭ ‬للأيديولوجيا‭ ‬والغيبيات‭ ‬والشعارات‭ ‬الحالمة‭ ‬من‭ ‬فن‭ ‬إدارة‭ ‬الحكم‭ ‬بحكمة‭ ‬وواقعية‭ ‬سياسية‭ ‬وحفظ‭ ‬للتوازنات‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬اتساع‭ ‬الأفق،‭ ‬شيئان‭ ‬قاداني‭ ‬لفهم‭ ‬جمال‭ ‬الوجود‭ ‬والتمسك‭ ‬بإله‭ ‬الحب‭ ‬والجمال‭ ‬والإنسان؛‭ ‬“نهج‭ ‬البلاغة”‭ ‬للإمام‭ ‬علي‭ ‬ويمثل‭ ‬المحور‭ ‬القيمي‭ ‬والإنساني،‭ ‬والمحور‭ ‬الحداثي‭ ‬الحضاري‭ ‬ويتمثل‭ ‬في‭ ‬فلاسفة‭ ‬الغرب‭ ‬نيتشه‭ ‬وفولتير‭ ‬وروسو‭.. ‬إلخ،‭ ‬عبر‭ ‬العلوم‭ ‬الأنثروبولوجية‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬نفس‭ ‬وفلسفة‭ ‬وسوسيولوجيا‭ ‬وأدب‭ ‬عالمي‭ ‬وتاريخ‭.‬

بهذه‭ ‬التجربة‭ ‬الواقعية‭ ‬فهمت‭ ‬سيكولوجية‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬حيث‭ ‬تجولت‭ ‬في‭ ‬دماغها،‭ ‬واكتشفت‭ ‬شعاراتها‭ ‬الزائفة،‭ ‬التي‭ ‬اتضحت‭ ‬لي‭ ‬جلية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1996‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬عمري‭ ‬26‭ ‬عاما‭ ‬عند‭ ‬سقوط‭ ‬التمثال‭ ‬وانهيار‭ ‬كذب‭ ‬الأسطورة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬وطني‭ ‬البحرين‭ ‬بالعام‭ ‬2002‭ ‬بفضل‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬وفضل‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭ ‬وطوق‭ ‬النجاة‭ ‬للمشروع‭ ‬الإصلاحي‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬لذلك‭ ‬أجد‭ ‬في‭ ‬عنقي‭ ‬دينا‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬الذي‭ ‬بفضله‭ ‬رجعنا‭ ‬للوطن‭ ‬وحظيت‭ ‬بالعيش‭ ‬قرب‭ ‬أمي‭ ‬بما‭ ‬تبقى‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬قضيته‭ ‬معها‭ ‬عاشقا‭ ‬ومتيما‭ ‬وهائما‭.‬

لذلك‭ ‬كله؛‭ ‬أجد‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الدفاع‭ ‬الأولية‭ ‬كمدافع‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬بسيف‭ ‬محارب‭ ‬لا‭ ‬يريح‭ ‬ولا‭ ‬يستريح‭. ‬أقول‭ ‬إنني‭ ‬أفهم‭ ‬تضاريس‭ ‬العقلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬فسأختصرها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السردية‭ ‬المتشظية‭: ‬تجارب‭ ‬وجع،‭ ‬وتطلع‭ ‬أمل،‭ ‬وحفريات‭ ‬نقد‭. ‬وأبتدئها‭ ‬ببيت‭ ‬شعر‭ ‬المتنبي‭ ‬الذي‭ ‬اختصر‭ ‬مشهدا‭ ‬سيكولوجيا‭ ‬قاله‭ ‬قبل‭ ‬ألف‭ ‬سنة‭ ‬ويزيد‭:‬

إِنَّمـا‭ ‬النـاسُ‭ ‬بِالمُـلوكِ‭ ‬وَمـا‭ * ‬تُفْلِحُ‭ ‬عُرْبٌ‭ ‬مُلوكُها‭ ‬عَجَمُ

أولا‭: ‬كراهية‭ ‬العربي

إن‭ ‬بنية‭ ‬عقلية‭ ‬الحرس‭ ‬ودوائرها‭ ‬عقلية‭ ‬نرجسية‭ ‬تصل‭ ‬للسيكوباتية،‭ ‬تحمل‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬سوسيولوجيا‭ ‬بـ‭ ‬“ذهنية‭ ‬الثائر‭ ‬الجريح”‭. ‬تراكم‭ ‬أمراضه‭ ‬أشبه‭ ‬بمريض‭ ‬ملأ‭ ‬طبقه‭ ‬من‭ ‬“بوفيه”‭ ‬متنوع‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬النفسية؛‭ ‬ففي‭ ‬الطبق‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬الشخصية‭ ‬النرجسية‭ ‬والسيكوباتية‭ (‬المعادية‭ ‬للمجتمع‭) ‬و‭ ‬“البوردرلاين”‭ (‬BPD‭) ‬الذي‭ ‬سماته‭ ‬الغضب‭ ‬الحاد،‭ ‬وعنف‭ ‬الألفاظ،‭ ‬وضياع‭ ‬الهوية،‭ ‬وثقب‭ ‬الوجدان،‭ ‬وخوف‭ ‬الهجر،‭ ‬وتقسيم‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬أسود‭ ‬أو‭ ‬أبيض‭ ‬“مستضعفين‭ /‬‏‭ ‬مستكبرين”،‭ ‬والسادية‭ ‬العنيفة‭. ‬وهذه‭ ‬الأمراض‭ ‬تُرجمت‭ ‬فيما‭ ‬شهدناه‭ ‬من‭ ‬إغراق‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬للخليج‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والمسيرات‭ ‬أضعافا‭ ‬مضاعفة‭ ‬عما‭ ‬ألقاه‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭.‬

والحرس‭ ‬يعاني‭ ‬انفصاما‭ ‬حادا‭ (‬شيزوفرينيا‭)‬؛‭ ‬فرغم‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬مليء‭ ‬بالقواعد‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وفي‭ ‬آسيا‭ ‬وكل‭ ‬مكان،‭ ‬لكنه‭ ‬عمد‭ ‬حقدا‭ ‬لاستهداف‭ ‬الخليج‭ ‬بشكل‭ ‬عدواني‭ ‬سادي‭ ‬سيكوباتي‭ ‬شرس‭ ‬متطرف،‭ ‬يتعمد‭ ‬اصطياد‭ ‬المدنيين‭ ‬والمنشآت‭ ‬المدنية‭ ‬إمعانا‭ ‬في‭ ‬التخويف،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬يقول‭: ‬“أنتم‭ ‬جيراننا‭ ‬ونحترمكم”‭!‬

وهو‭ ‬يعتمد‭ ‬في‭ ‬تشويه‭ ‬الحقائق‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬“غاز‭ ‬لايتينغ”‭ (‬Gaslighting‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الإساءة‭ ‬النفسية‭ ‬والتلاعب‭ ‬بالعقول،‭ ‬يهدف‭ ‬فيه‭ ‬المتلاعب‭ ‬إلى‭ ‬زعزعة‭ ‬ثقة‭ ‬الضحية‭ ‬بنفسها‭ ‬وذاكرتها‭ ‬وإدراكها‭ ‬للواقع؛‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬تشك‭ ‬في‭ ‬سلامتها‭ ‬العقلية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمارسه‭ ‬منذ‭ ‬سنين‭ ‬مع‭ ‬شعبه‭ ‬وجيرانه‭ ‬ومع‭ ‬العالم‭. ‬فكي‭ ‬يبرر‭ ‬صواريخه‭ ‬المغلفة‭ ‬بالحقد‭ ‬والحسد‭ ‬والغيرة‭ ‬من‭ ‬استهداف‭ ‬“جنة‭ ‬الخليج”‭ ‬والفردوس‭ ‬الحداثي‭ ‬فيه؛‭ ‬يدعي‭ ‬أن‭ ‬الخليج‭ ‬متورط‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬فقط‭ ‬ليحشد‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬المضللين‭ ‬بالإعلام‭ ‬الزئبقي؛‭ ‬فيقعوا‭ ‬في‭ ‬زنزانة‭ ‬التضليل‭ ‬وسجون‭ ‬الغيبوبات‭ ‬الفكرية‭.‬

ومشكلة‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬أنه‭ ‬يعالج‭ ‬خسائره‭ ‬بمضاعفتها‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬التلاعب‭ ‬المفضوح‭. ‬ويكمن‭ ‬التناقض‭ ‬في‭ ‬ادعائه‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يستهدف‭ ‬المدنيين‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬سترة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬وضاحية‭ ‬السيف‭ ‬والمحرق‭ ‬والمنامة‭.. ‬إلخ‭.‬

وكي‭ ‬تفهموا‭ ‬تناقضات‭ ‬الخطاب،‭ ‬دعونا‭ ‬نفكك‭ ‬الخطاب‭ ‬والسردية‭ ‬الثورية‭ ‬التي‭ ‬يخرج‭ ‬منها‭ ‬غبار‭ ‬ورائحة‭ ‬الحقيقة‭ ‬الميتة‭: ‬يدعي‭ ‬أنه‭ ‬“فاتيكان‭ ‬الشيعة”‭ ‬ويضخم‭ ‬نظرية‭ ‬المؤامرة‭ ‬على‭ ‬التشيع‭ ‬وأنه‭ ‬“الحامي‭ ‬النحرير”‭ ‬وهزبر‭ ‬المدافع‭ ‬الشرس،‭ ‬أشبه‭ ‬بـ‭ ‬“غلادييتر‭ ‬الشيعة”‭ (‬Gladiator‭). ‬وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬التناقض‭:‬

هو‭ ‬من‭ ‬قام‭ ‬بالتنكيل‭ ‬بمراجع‭ ‬الشيعة،‭ ‬من‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬العظمى‭ ‬شريعتمداري‭ ‬إلى‭ ‬المرجع‭ ‬محمد‭ ‬مهدي‭ ‬الشيرازي،‭ ‬إلى‭ ‬المرجع‭ ‬منتظري،‭ ‬إلى‭ ‬المرجع‭ ‬فضل‭ ‬الله،‭ ‬إلى‭ ‬المرجع‭ ‬كمال‭ ‬الحيدري‭ ‬والعشرات‭ ‬غيرهم‭.‬

مصالحه‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الشيعة،‭ ‬والدليل‭: ‬هو‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬وأرمينيا‭ ‬وسوريا‭ ‬البعثية‭ ‬وضد‭ ‬أذربيجان‭ ‬الشيعية‭.‬

هو‭ ‬ضد‭ ‬أمريكا،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تجد‭ ‬معظم‭ ‬المتطرفين‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬الذين‭ ‬يرفعون‭ ‬شعارات‭ ‬ضد‭ ‬أمريكا،‭ ‬أبناؤهم‭ ‬يعيشون‭ ‬ويدرسون‭ ‬وموظفون‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭! ‬هذا‭ ‬عدا‭ ‬عن‭ ‬فضيحة‭ ‬“إيران‭ ‬غيت”‭ ‬التاريخية‭ ‬وغيرها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬“الأعداء”‭.‬

صدع‭ ‬رؤوس‭ ‬الناس‭ ‬بأنه‭ ‬حامي‭ ‬حمى‭ ‬الشيعة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تجد‭ ‬شيعة‭ ‬خوزستان‭ ‬يعانون‭ ‬التهميش‭ ‬والعنصرية‭ ‬فقط‭ ‬لأنهم‭ ‬عرب،‭ ‬فلماذا‭ ‬لم‭ ‬تتحرك‭ ‬“نزعته‭ ‬الشيعية”‭ ‬هنا؟

وعودا‭ ‬على‭ ‬الأسئلة‭ ‬نقول‭ ‬ونسأل‭: ‬من‭ ‬حارب‭ ‬وأقصى‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬محمد‭ ‬مهدي‭ ‬شمس‭ ‬الدين،‭ ‬والسيد‭ ‬فضل‭ ‬الله،‭ ‬والمفكر‭ ‬هاني‭ ‬فحص،‭ ‬والسيد‭ ‬العلامة‭ ‬علي‭ ‬الأمين؟

ماذا‭ ‬فعلت‭ ‬ميليشياته‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بالشباب‭ ‬العراقي،‭ ‬خصوصا‭ ‬الشيعي‭ ‬منه؟‭ ‬ونكلت‭ ‬بشباب‭ ‬ثورة‭ ‬تشرين‭ ‬بالعام‭ ‬2019،‭ ‬حيث‭ ‬قامت‭ ‬الميليشيات‭ ‬المتطرفة‭ ‬بقتل‭ ‬خيرة‭ ‬الشباب‭ ‬العراقي‭ ‬بالمسدسات‭ ‬الكاتمة‭ ‬للصوت‭ ‬في‭ ‬جنح‭ ‬الظلام‭.‬

الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني‭ ‬هو‭ ‬مع‭ ‬“الربيع‭ ‬العربي”‭ ‬ومؤيد‭ ‬له‭ ‬مادام‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وتونس‭ ‬وليبيا‭.. ‬إلخ،‭ ‬ويوم‭ ‬انفجر‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وقف‭ ‬ضد‭ ‬“الربيع”‭ ‬في‭ ‬النسخة‭ ‬السورية‭.‬

عشرات‭ ‬المؤتمرات‭ ‬التي‭ ‬يقيمها‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬وهو‭ ‬يروج‭ ‬لـ‭ ‬“الوحدة‭ ‬الإسلامية”،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تجد‭ ‬التناقض‭ ‬صارخا‭ ‬على‭ ‬الأرض؛‭ ‬فعند‭ ‬زيارتي‭ ‬لطهران‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬مسجدا‭ ‬سنيا‭ ‬واحدا‭ ‬رغم‭ ‬وفرة‭ ‬المعابد‭ ‬والكنائس‭.‬

الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬راقٍ،‭ ‬ويحب‭ ‬الحياة‭ ‬وغير‭ ‬متوتر‭ ‬تجاه‭ ‬أي‭ ‬“آخر”‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العرب،‭ ‬أما‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬فهو‭ ‬يكره‭ ‬العرب،‭ ‬ويصاب‭ ‬بالصدفية‭ ‬وحكة‭ ‬جلدية‭ ‬عند‭ ‬سماعه‭ ‬عنهم،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬لكم‭ ‬حجم‭ ‬الهجمات‭ ‬الصاروخية‭ ‬علينا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬إسرائيل؛‭ ‬فالقصة‭ ‬ليست‭ ‬قصة‭ ‬قواعد،‭ ‬وإنما‭ ‬غيرة‭ ‬وحقد‭ ‬وحسد‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬حيث‭ ‬يعاني‭ ‬“عقدة‭ ‬الجار‭ ‬المتفوق”‭.‬

المسلخ‭ ‬الإيراني‭ ‬والسياف‭ ‬الديني‭ ‬لن‭ ‬يقبلا‭ ‬إلا‭ ‬بالاستثمار‭ ‬في‭ ‬“الجسد‭ ‬الشيعي”‭ ‬في‭ ‬مغامرات‭ ‬قاتلة‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬اغتيال‭ ‬عواصم‭ ‬عربية،‭ ‬وإعدام‭ ‬شباب‭ ‬التنوير‭ ‬على‭ ‬أعواد‭ ‬مشانق‭ ‬التخلف‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والنرجسية‭ ‬الثورية‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬واليمن‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬دم‭ ‬الإنسان‭ ‬عنده‭ ‬أرخص‭ ‬من‭ ‬علبة‭ ‬زعفران‭.‬

إنه‭ ‬يجيد‭ ‬فن‭ ‬الاصطياد‭ ‬واللعب‭ ‬على‭ ‬أوتار‭ ‬المذهب،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬أفخاخ‭ ‬تاريخية،‭ ‬واللعب‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجريحة‭ ‬بتحريك‭ ‬قضايا‭ ‬مقدسة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬لتسييسها‭ ‬لصالح‭ ‬دكاكين‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭.‬

والسؤال‭: ‬على‭ ‬ماذا‭ ‬حصل‭ ‬ضحاياه؟‭ ‬انسداد‭ ‬تاريخي،‭ ‬اغتصاب‭ ‬فرح‭ ‬مسروق‭ ‬منذ‭ ‬47‭ ‬سنة،‭ ‬تكرار‭ ‬أسطورة‭ ‬صخرة‭ ‬“سيزيف”‭ ‬الإغريقية‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬بمغامرة‭. ‬ما‭ ‬أريد‭ ‬قوله‭: ‬لقد‭ ‬ضيعت‭ ‬إيران‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية‭ ‬بتطوير‭ ‬إيران‭ ‬حضاريا،‭ ‬وإن‭ ‬شعبها‭ ‬يستحق‭ ‬أجمل‭ ‬حياة،‭ ‬وإن‭ ‬حضارته‭ ‬حضارة‭ ‬عظيمة،‭ ‬لكن‭ ‬للأسف‭ ‬تراكم‭ ‬أخطاء‭ ‬كارثية‭ ‬يقود‭ ‬الناس‭ ‬للمسلخ‭ ‬قرابين‭ ‬على‭ ‬مذبح‭ ‬الآلهة‭ ‬البشرية‭.‬

شيء‭ ‬يؤلم‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬دبي،‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬المعطرة‭ ‬برائحة‭ ‬الحداثة‭ ‬والمكتنزة‭ ‬بالجمال،‭ ‬تلقى‭ ‬عليها‭ ‬الصواريخ،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬الرياض‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬رياض‭ ‬النخوة‭ ‬العربية‭ ‬والمحبة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬خاصرة‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬والشريان‭ ‬التاجي‭ ‬لقلبه،‭ ‬تُستهدف‭ ‬بالعدوان،‭ ‬أو‭ ‬نرى‭ ‬أبوظبي،‭ ‬الصرح‭ ‬الأبي،‭ ‬تلقى‭ ‬عليها‭ ‬الصواريخ‭. ‬وقد‭ ‬أنشدت‭ ‬في‭ ‬عيونها‭ ‬شعرا‭ ‬قلت‭ ‬فيه‭:‬

فإذا‭ ‬ذهبتُ‭ ‬إلى‭ ‬العواصمِ‭ ‬كُلِّها‭ * ‬عن‭ ‬دارِ‭ ‬زايدَ‭ ‬في‭ ‬الورى‭ ‬لم‭ ‬أذهبِ

لو‭ ‬خُيِّرَ‭ ‬الشرفُ‭ ‬العظيمُ‭ ‬بمَسْكنٍ‭ * ‬لاختارَ‭ ‬في‭ ‬السُكْنى‭ ‬ديارَ‭ ‬أبوظبي

أو‭ ‬كويت‭ ‬العطاء‭ ‬والكرم،‭ ‬أو‭ ‬دوحة‭ ‬الخير‭ ‬والرفعة،‭ ‬ووسط‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬البحرين‭ ‬وطني‭ ‬الأغلى،‭ ‬والمنامة‭ ‬عاصمة‭ ‬العراقة‭ ‬والحداثة،‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬إلا‭ ‬نفسها؛‭ ‬وطن‭ ‬الحب‭ ‬والعزة‭ ‬والطيبة‭ ‬والسؤدد‭. ‬هي‭ ‬البحرين،‭ ‬جزيرة‭ ‬إكسير‭ ‬الجمال‭ ‬والجاذبية‭ ‬والشوق‭ ‬المديد‭.‬

 

‭* ‬مستشار‭ ‬هيئة‭ ‬البحرين‭ ‬للثقافة‭ ‬والآثار