جولة داخل الدماغ الإيراني
| سيد ضياء الموسوي
من فهموا تركيبة النرجسية الثورية للحرس الثوري الإيراني، يعرفون نمط الشخصية المعقد لذهنية المسؤول الإيراني، ويفهمون تضاريس دولته ومداخلها، وكل الطرق التي تؤدي إلى غابة عقل فيلق القدس وحرسه وجبال “الأنا المتورمة” له، وكيف ينظر للإنسان الإيراني كعلبة سردين ملقاة على رف دكان الثورة، وكيف ينظر بفائض حسد وتدفق سم كراهية تجاه كل ما هو عربي، وكيف كان يتعاطى مع مواطنيه من العرب في خوزستان التي زرتها وصدمت من حجم الخدمات شبه المعدومة لو قمنا بمقارنتها ببقية المناطق كطهران وتبريز وأصفهان.. إلخ، رغم أن خوزستان تنام على براميل النفط ومتخمة بالغاز.
كررت إيران أخطاء تجارب تاريخية من دول وكيانات ذات ملامح شيعية حكمت في التاريخ بالأيديولوجيا لا بفن الإدارة؛ فذهبت مع الرياح، كما هي الدولة البويهية، والدولة الفاطمية، والدولة الصفوية، والدولة القاجارية، والدولة الزيدية في اليمن، وصولا إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم. تقارب في الأخطاء ونهايات كارثية في المصير رغم اختلاف كل نسخة عن الأخرى في أسباب الانهيار.
وأكبر عامل لسقوط الدولة عندما تكون هي أقرب للأيديولوجيا والغيبيات والشعارات الحالمة من فن إدارة الحكم بحكمة وواقعية سياسية وحفظ للتوازنات في العالم. في نهاية المطاف وفي مرحلة اتساع الأفق، شيئان قاداني لفهم جمال الوجود والتمسك بإله الحب والجمال والإنسان؛ “نهج البلاغة” للإمام علي ويمثل المحور القيمي والإنساني، والمحور الحداثي الحضاري ويتمثل في فلاسفة الغرب نيتشه وفولتير وروسو.. إلخ، عبر العلوم الأنثروبولوجية من علم نفس وفلسفة وسوسيولوجيا وأدب عالمي وتاريخ.
بهذه التجربة الواقعية فهمت سيكولوجية الدولة الإيرانية حيث تجولت في دماغها، واكتشفت شعاراتها الزائفة، التي اتضحت لي جلية في العام 1996 حيث كان عمري 26 عاما عند سقوط التمثال وانهيار كذب الأسطورة، إلى أن عدت إلى وطني البحرين بالعام 2002 بفضل الله عز وجل وفضل ميثاق العمل الوطني وطوق النجاة للمشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظم حفظه الله، لذلك أجد في عنقي دينا لجلالة الملك المعظم الذي بفضله رجعنا للوطن وحظيت بالعيش قرب أمي بما تبقى لها من عمر قضيته معها عاشقا ومتيما وهائما.
لذلك كله؛ أجد نفسي في صفوف الدفاع الأولية كمدافع عن البحرين بسيف محارب لا يريح ولا يستريح. أقول إنني أفهم تضاريس العقلية الإيرانية فسأختصرها في هذه السردية المتشظية: تجارب وجع، وتطلع أمل، وحفريات نقد. وأبتدئها ببيت شعر المتنبي الذي اختصر مشهدا سيكولوجيا قاله قبل ألف سنة ويزيد:
إِنَّمـا النـاسُ بِالمُـلوكِ وَمـا * تُفْلِحُ عُرْبٌ مُلوكُها عَجَمُ
أولا: كراهية العربي
إن بنية عقلية الحرس ودوائرها عقلية نرجسية تصل للسيكوباتية، تحمل ما يسمى سوسيولوجيا بـ “ذهنية الثائر الجريح”. تراكم أمراضه أشبه بمريض ملأ طبقه من “بوفيه” متنوع من الأمراض النفسية؛ ففي الطبق شيء من اضطراب الشخصية النرجسية والسيكوباتية (المعادية للمجتمع) و “البوردرلاين” (BPD) الذي سماته الغضب الحاد، وعنف الألفاظ، وضياع الهوية، وثقب الوجدان، وخوف الهجر، وتقسيم العالم إلى أسود أو أبيض “مستضعفين / مستكبرين”، والسادية العنيفة. وهذه الأمراض تُرجمت فيما شهدناه من إغراق الحرس الثوري للخليج بالصواريخ والمسيرات أضعافا مضاعفة عما ألقاه على إسرائيل.
والحرس يعاني انفصاما حادا (شيزوفرينيا)؛ فرغم أن العالم مليء بالقواعد الأمريكية وحتى في المنطقة وفي آسيا وكل مكان، لكنه عمد حقدا لاستهداف الخليج بشكل عدواني سادي سيكوباتي شرس متطرف، يتعمد اصطياد المدنيين والمنشآت المدنية إمعانا في التخويف، وفي الوقت ذاته يقول: “أنتم جيراننا ونحترمكم”!
وهو يعتمد في تشويه الحقائق على ما يسمى “غاز لايتينغ” (Gaslighting)، وهو نوع من الإساءة النفسية والتلاعب بالعقول، يهدف فيه المتلاعب إلى زعزعة ثقة الضحية بنفسها وذاكرتها وإدراكها للواقع؛ ما يجعلها تشك في سلامتها العقلية. وهذا ما يمارسه منذ سنين مع شعبه وجيرانه ومع العالم. فكي يبرر صواريخه المغلفة بالحقد والحسد والغيرة من استهداف “جنة الخليج” والفردوس الحداثي فيه؛ يدعي أن الخليج متورط في الحرب فقط ليحشد مزيدا من الضحايا المضللين بالإعلام الزئبقي؛ فيقعوا في زنزانة التضليل وسجون الغيبوبات الفكرية.
ومشكلة الحرس الثوري أنه يعالج خسائره بمضاعفتها عبر هذا التلاعب المفضوح. ويكمن التناقض في ادعائه أنه لا يستهدف المدنيين رغم ما قام به في سترة أكثر من مرة وضاحية السيف والمحرق والمنامة.. إلخ.
وكي تفهموا تناقضات الخطاب، دعونا نفكك الخطاب والسردية الثورية التي يخرج منها غبار ورائحة الحقيقة الميتة: يدعي أنه “فاتيكان الشيعة” ويضخم نظرية المؤامرة على التشيع وأنه “الحامي النحرير” وهزبر المدافع الشرس، أشبه بـ “غلادييتر الشيعة” (Gladiator). وهنا يكمن التناقض:
هو من قام بالتنكيل بمراجع الشيعة، من آية الله العظمى شريعتمداري إلى المرجع محمد مهدي الشيرازي، إلى المرجع منتظري، إلى المرجع فضل الله، إلى المرجع كمال الحيدري والعشرات غيرهم.
مصالحه أهم من الشيعة، والدليل: هو مع روسيا وأرمينيا وسوريا البعثية وضد أذربيجان الشيعية.
هو ضد أمريكا، وفي الوقت نفسه تجد معظم المتطرفين من الدولة الذين يرفعون شعارات ضد أمريكا، أبناؤهم يعيشون ويدرسون وموظفون في أمريكا! هذا عدا عن فضيحة “إيران غيت” التاريخية وغيرها في مواجهة “الأعداء”.
صدع رؤوس الناس بأنه حامي حمى الشيعة، في حين تجد شيعة خوزستان يعانون التهميش والعنصرية فقط لأنهم عرب، فلماذا لم تتحرك “نزعته الشيعية” هنا؟
وعودا على الأسئلة نقول ونسأل: من حارب وأقصى آية الله محمد مهدي شمس الدين، والسيد فضل الله، والمفكر هاني فحص، والسيد العلامة علي الأمين؟
ماذا فعلت ميليشياته في العراق بالشباب العراقي، خصوصا الشيعي منه؟ ونكلت بشباب ثورة تشرين بالعام 2019، حيث قامت الميليشيات المتطرفة بقتل خيرة الشباب العراقي بالمسدسات الكاتمة للصوت في جنح الظلام.
الحرس الثوري الإيراني هو مع “الربيع العربي” ومؤيد له مادام في مصر وتونس وليبيا.. إلخ، ويوم انفجر الوضع في سوريا وقف ضد “الربيع” في النسخة السورية.
عشرات المؤتمرات التي يقيمها في طهران وهو يروج لـ “الوحدة الإسلامية”، في حين تجد التناقض صارخا على الأرض؛ فعند زيارتي لطهران لم أجد مسجدا سنيا واحدا رغم وفرة المعابد والكنائس.
الشعب الإيراني راقٍ، ويحب الحياة وغير متوتر تجاه أي “آخر” بما في ذلك العرب، أما الحرس الثوري فهو يكره العرب، ويصاب بالصدفية وحكة جلدية عند سماعه عنهم، وهذا ما يفسر لكم حجم الهجمات الصاروخية علينا أكثر من إسرائيل؛ فالقصة ليست قصة قواعد، وإنما غيرة وحقد وحسد من الخليج حيث يعاني “عقدة الجار المتفوق”.
المسلخ الإيراني والسياف الديني لن يقبلا إلا بالاستثمار في “الجسد الشيعي” في مغامرات قاتلة ساهمت في اغتيال عواصم عربية، وإعدام شباب التنوير على أعواد مشانق التخلف الأيديولوجي والنرجسية الثورية كما هو في العراق واليمن وسوريا ولبنان، حتى أصبح دم الإنسان عنده أرخص من علبة زعفران.
إنه يجيد فن الاصطياد واللعب على أوتار المذهب، والبحث عن أفخاخ تاريخية، واللعب على الذاكرة الجريحة بتحريك قضايا مقدسة في التاريخ لتسييسها لصالح دكاكين الحرس الثوري.
والسؤال: على ماذا حصل ضحاياه؟ انسداد تاريخي، اغتصاب فرح مسروق منذ 47 سنة، تكرار أسطورة صخرة “سيزيف” الإغريقية كل عام بمغامرة. ما أريد قوله: لقد ضيعت إيران فرصة ذهبية بتطوير إيران حضاريا، وإن شعبها يستحق أجمل حياة، وإن حضارته حضارة عظيمة، لكن للأسف تراكم أخطاء كارثية يقود الناس للمسلخ قرابين على مذبح الآلهة البشرية.
شيء يؤلم أن نجد دبي، هذه المدينة المعطرة برائحة الحداثة والمكتنزة بالجمال، تلقى عليها الصواريخ، أو أن نجد الرياض التي هي رياض النخوة العربية والمحبة الإسلامية، خاصرة العالم الإسلامي والشريان التاجي لقلبه، تُستهدف بالعدوان، أو نرى أبوظبي، الصرح الأبي، تلقى عليها الصواريخ. وقد أنشدت في عيونها شعرا قلت فيه:
فإذا ذهبتُ إلى العواصمِ كُلِّها * عن دارِ زايدَ في الورى لم أذهبِ
لو خُيِّرَ الشرفُ العظيمُ بمَسْكنٍ * لاختارَ في السُكْنى ديارَ أبوظبي
أو كويت العطاء والكرم، أو دوحة الخير والرفعة، ووسط كل ذلك البحرين وطني الأغلى، والمنامة عاصمة العراقة والحداثة، المدينة التي لا تشبه إلا نفسها؛ وطن الحب والعزة والطيبة والسؤدد. هي البحرين، جزيرة إكسير الجمال والجاذبية والشوق المديد.
* مستشار هيئة البحرين للثقافة والآثار