ستمر الأيام
| د.حورية الديري
تمر على الإنسان لحظات تتكاثف فيها الضغوط حتى تبدو الأيام أثقل من قدرتها على الاحتمال، حيث تتسارع الأحداث، وتزدحم التفاصيل، ويتحول الإيقاع اليومي إلى مساحة مشحونة بالتوتر والتفكير المستمر. وقد تتشكل وسط هذا الزخم مشاعر متباينة بين القلق والترقب، ويصبح الذهن في حالة استنفار دائم يبحث عن إجابات سريعة وطمأنينة قريبة، ومع تكرار المشهد تتراجع القدرة على الفصل بين ما يمكن التحكم فيه وما يتجاوز الإرادة. هنا تبدأ أهمية ضبط النفس كمهارة حياتية عميقة، تتجاوز التماسك الظاهري نحو إدارة داخلية واعية للمشاعر، حيث يتشكل الاتزان من القدرة على التعامل مع الضغوط دون أن تستنزف الطاقة أو تشوش الرؤية. ويستند هذا الضبط إلى وعي يلتقط بداية التوتر قبل تضخمه، ويعيد توجيه التفكير نحو مسارات أكثر هدوءًا، من خلال التوقف القصير، وإعادة ترتيب الأولويات، وتخفيف سرعة التفاعل مع المواقف. كما تمثل إعادة تعريف الحدث خطوة محورية، حيث يتحول من عبء ضاغط إلى تجربة قابلة للفهم، وهو تحول يمنح الإنسان مساحة أوسع للتنفس ويقلل حدة الاستجابة الانفعالية. وتبرز العادات اليومية كعامل مهم في تعزيز التوازن، مثل تنظيم الوقت، والحفاظ على فترات هدوء، والابتعاد المؤقت عن مصادر التوتر، بما يسهم في استقرار النفس. وتمثل العلاقات الإنسانية ركيزة داعمة، فالكلمة الصادقة والمساندة القريبة تمنح شعورًا بالاحتواء، كما تعيد المشاركة الواعية ترتيب المشاعر وتفتح نوافذ للفهم. ومع تراكم هذه الممارسات، تتشكل حالة من النضج الانفعالي، حيث يصبح التعامل مع الأزمات أكثر هدوءًا، ويدرك الإنسان أن شدة اللحظة عابرة، وأن الزمن يحمل قدرة مستمرة على التغيير. وهكذا تمر الأيام، وتتبدل الظروف، وتبقى التجربة بما تحمله من دروس، ليظهر الفرق بين من استنزفته الضغوط ومن أعاد تشكيلها كفرصة للنمو.. هكذا تمضي الحياة بإيقاعها المتقلب، ويبقى الاتزان مهارة تُبنى، ووعيًا يُصقل، ونفسًا تتعلم كيف تعبر المراحل بثقة وهدوء.
* كاتبة وأكاديمية بحرينية