القصة والمقصلة

| سيد ضياء الموسوي

لكي نعرف سلوك الدول الثورية، لا بد أن نغوص في سيكولوجية الدولة الثورية، والطبيعة البنيوية الفكرية والنفسية لها. فالبنية الثورية قائمة على أن براغماتية الذات ونرجسية “الإيغو” المتضخم أهم من الشعارات الثورية، ومصلحة مبيعات الحزب عبر دكاكين الأنا أهم من المعتقد والمذهب والدين أيضا، وإن اختلطوا في ما يسمى في علم النفس السياسي “الدمجية” و “التماهي المطلق” تحت شعار: أنا الشعار والشعار أنا..  أنا الثورة والثورة أنا.. إلى أن تصل إلى.. “أنا المذهب والمذهب أنا”. والخطورة في هذا الاختزال إذا ما وصل إلى مرحلة متقدمة قد تصل إلى “السيكوباتية”، وهي آخر مرحلة متقدمة من النرجسية الخطيرة التي تصل إلى تبلد المشاعر في اللوزة الدماغية وفي المنطقة الأمامية من رأس الإنسان، وهنا ينتقل إلى برودة متجمدة لتبريد الضمير في ثلاجة الحزب، والانتشاء تلذذا من شوي البشر في “باربكيو” حفلات الشواء السياسية. هذا، وقد يختلط المرض بـ “بوفيه” من الأمراض كاضطراب الانفصام. وهنا الهلوسة الثورية تبلغ أقصاها كما حدث لإيران من توزيع الانتحار الذاتي إلى الخليج باستهداف تخريبه، وانفصام بترديدها “أنتم جيراننا وثمارنا صواريخنا”، أو بجر لبنان إلى مواجهة غير متكافئة مع عدو شرس ينتظر تحرشا لابتلاع بقية ما بقي من لحم. في الفكر الثوري الحزب أهم من المواطنة، وكفن الوطن أهم من الوطن. وهذا ما نلحظه في استعداد حزب ثوري للانتحار الثوري على أن يفاوض على الطريقة اليابانية. إيران أصبحت أشبه برجل مفخخ يحمل حزاما ناسفا يريد أن ينفجر به ويفجر العالم من حوله. وهذا ما يسمى في علم السياسة باستراتيجية الرجل المجنون.. من تحويل الألم الفردي إلى ألم جماعي، وعلى حد أغنية إليسا وإن كانت هنا في الكره لا في الحب: “لنعيش احنه مع بعض لنموت احنه الاثنين”. لكن مع الأيام، ولأن التاريخ لا يرحم الأفكار “الاستاتيكية”، سنشهد نفوق الأفكار المفخخة على بحر الخليج العربي كما شهد العالم تفسخ جثث أفكار هتلر على سواحل أوروبا، وأفكار موسوليني الفاشية على شواطئ جزر إيطاليا. والمشهد سيصبح أكثر درامية كإيقاع سقوط حبات “الدومينو” على كفن مسرح الفكر أمام عدسة العالم واندهاش الجمهور وسقوط الممثلين، وذلك في سقوط المسرح وحتى رافعي الستارة من التابعين من ميليشيات متطرفة أطلقت الرصاص على أقدامها حين فقأت أعين أوطانها لأجل التغني بكحل عيون الآخرين. تماما كما حدث لحكومة فيشي الفرنسية التي ارتهنت لهتلر على حساب وطنها فرنسا، أو للحكومة الصينية المرتهنة لليابان أثناء احتلال اليابان للأخيرة عند حلم اليابان ابتلاع آسيا في نرجسية حادة غبية. فلو اتخذت إيران عند تأسيسها، وحتى لو قبل عشرين سنة، خيار اليابان في ترك كبرياء “الإيغو” وحلم طوباوية التصدير إلى جمال التنوير لكانت أقوى من اليابان الآن، ولأصبح جوازها بقوة الجواز السنغافوري، وعملتها تقارب قوة عملة اليورو، لكنها اختارت تصدير ثورة مؤدلجة؛ فأضاعت الفرصة الذهبية وأصبحت أشبه بمراهق ورث من أبيه مليارا فبذره على “كازينو” مغامرات السياسة؛ فضاع الورث، واضطرب الفتى وجن وهرب الرفاق وانكسرت الطاولة. تلك هي الحقيقة عن أي ثورة مؤدلجة شيعية أو سنية أو بعثية أو قومية أو شيوعية. الفكر الحانوتي يقود إلى ثقافة حانوتية، وينجب أطفالا حانوتيين لمستقبل حانوتي. فالحضارة لا تبنى عبر مقبرة الأفكار، والإدارة فن لا كفن، وفرق بين فن الإدارة وتكفين الحضارة. ولأن الحزن يعم؛ سيعم اكتئاب عام للمنتشين الضحايا، لمن أدمنوا حشيش الثورة، وترياق الشعارات الثورية، والحشيش الديني والماريجوانا الخرافية. سيكون هناك أعراض انسحابية حادة كأعراض انسحاب المخدرات من دم مدمن مخدرات، بل أشد؛ لأن المخدر الثوري أشد وجعا حال سقوط الرهان وغياب النموذج. سيكون هناك فراغ رمزي، وكل تراكمات الخيبات ستسبب إرهاقا عقائديا للمضحين من إنهاك سنين من تقديم قرابين لإشباع شعارات حالمة وواهية، تبتلع ياقوت أرواح الناس وتمنحهم في المقابل تابوت أجساد بلا أنفاس. وهنا تتكرر خيبة أسطورة الآلهة التي تكررت عبر الآلاف من السنين، الآلهة الثورية التي لا تشبع من القرابين ولا شيء يرضيها مهما قدمت روحك وأرواح أطفالك وعشيرتك لها، في حالة عبثية تشبه صخرة سيزيف في عقاب الآلهة في الأسطورة الإغريقية. الكارثة المقبلة هي “الإرهاق العقائدي”، أشبعنا الدين وأعطينا أولادنا قرابين “ورُمينا جوعانين”، الذي ينتهي إلى تورم في الذاكرة الجمعية، والذي عادة إما ينتهي إلى مراجعة نقدية لتصحيح ما تبقى من حياة في إناء المعيشة، وإما يقود المنهكين إلى اكتئاب عام مزمن أو انتحار جماعي آخر في منعطف آخر لإنهاء الحياة بعد وصول اللاوعي الجمعي (مصطلح كارل يونغ)، ومنطق الجماعة إلى مرحلة اللامعنى للحياة.

وهذا ما يمسى معرفيا بـ “انفجار الانقراض”.. هزة الروح قفزا عند آخر نقطة احتضار. ختاما أقول: لا يمكن للحضارة أن تتحول إلى “سوق خضَّارة”. حتى الضحايا يجب تذكيرهم بأنهم يجب أن يستيقظوا ليعيشوا الحياة وجمالها؛ لأنهم كانوا مجرد حطب في تنور الثورة، وكما يقول المثل الروسي “لا يوجد جبن مجاني إلا في المصيدة”. إن التعلق المرضي بالثورية أو الإصابة بمتلازمة ستوكهولم من تعاطف المخطوف مع الخاطف غير مبرر، وهو جزء من تمثيل دور الضحية، وهي تعرف أن طريقها لمسلخ إقليمي ومذبح سياسي؛ ففي زمن المذابح والمسالخ لا بد أن تمتلك عقلا ناجحا لا تعصبا عصبيا جامحا. لا بد أن تكون عاقلا في زمن الجنون، وتعرف كيفية السير على حقول من الألغام العالمية على خرائط تحن للموت وتمتلك شهية أكل الإنسان. فالسياسة فن الواقعية لا فن الوقوع. وبلا واقعية يكون المشهد بين ثلاثة: المقص والقصة والمقصلة.