الحقوق بلا تنفيذ.. حين يفقد الحكم القضائي قيمته الاقتصادية

| رجب قاسم

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬إقرار‭ ‬الحقوق‭ ‬أو‭ ‬تثبيتها‭ ‬نظريًا،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬اقتضائها‭ ‬فعليًا،‭ ‬وإلا‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬بناء‭ ‬قانوني‭ ‬فاقد‭ ‬للأثر‭. ‬ولا‭ ‬ريب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الحكم‭ ‬القضائي،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬حجية‭ ‬وقوة،‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬الغاية‭ ‬النهائية‭ ‬للمتقاضي،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعد‭ ‬وسيلة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬حق‭ ‬ملموس،‭ ‬قابل‭ ‬للتنفيذ،‭ ‬منتج‭ ‬لأثره‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

إذ‭ ‬إن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لأي‭ ‬نظام‭ ‬قضائي‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الأحكام‭ ‬التي‭ ‬يصدرها،‭ ‬بل‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬نافذ،‭ ‬يحقق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬أطراف‭ ‬العلاقة‭ ‬القانونية،‭ ‬ويعيد‭ ‬الحقوق‭ ‬إلى‭ ‬أصحابها‭ ‬دون‭ ‬إبطاء‭ ‬أو‭ ‬تعطيل‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬الفجوة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنشأ‭ ‬بين‭ ‬صدور‭ ‬الحكم‭ ‬وتنفيذه‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬أحد‭ ‬أخطر‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬النظم‭ ‬القانونية‭ ‬الحديثة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تعقيد‭ ‬المعاملات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتنامي‭ ‬صور‭ ‬التحايل‭ ‬على‭ ‬التنفيذ‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يثور‭ ‬تساؤل‭ ‬جوهري‭: ‬هل‭ ‬أصبحنا‭ ‬أمام‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬“تضخم‭ ‬الأحكام”‭ ‬يقابلها‭ ‬“انكماش‭ ‬في‭ ‬التنفيذ”؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬الحكم‭ ‬القضائي،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البيئات‭ ‬القانونية،‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬سند‭ ‬معنوي‭ ‬لا‭ ‬يوازيه‭ ‬أثر‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي؟

لعل‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل‭ ‬تفرض‭ ‬علينا‭ ‬التمييز‭ ‬ابتداءً‭ ‬بين‭ ‬“الحق‭ ‬القضائي”‭ ‬و‭ ‬“الحق‭ ‬القابل‭ ‬للتنفيذ”،‭ ‬فالأول‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الحق‭ ‬الذي‭ ‬يقره‭ ‬القضاء‭ ‬ويثبته‭ ‬بحكم‭ ‬نهائي،‭ ‬أما‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬الحق‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬لصاحبه‭ ‬أن‭ ‬يقتضيه‭ ‬فعليًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أدوات‭ ‬التنفيذ‭ ‬الجبري‭. ‬وبين‭ ‬هذين‭ ‬المفهومين‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬قد‭ ‬تمتلئ‭ ‬بعقبات‭ ‬قانونية‭ ‬أو‭ ‬واقعية‭ ‬تعوق‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬النتيجة‭ ‬المرجوة؛‭ ‬فتفرغ‭ ‬الحكم‭ ‬من‭ ‬مضمونه،‭ ‬وتحوله‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬وثيقة‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬الغاية‭ ‬منها‭.‬

ولا‭ ‬يخفى‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬العقبات‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بسلوك‭ ‬المدين‭ ‬ذاته؛‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬تهريب‭ ‬أمواله،‭ ‬أو‭ ‬إجراء‭ ‬تصرفات‭ ‬صورية‭ ‬بقصد‭ ‬إبعادها‭ ‬عن‭ ‬متناول‭ ‬التنفيذ،‭ ‬أو‭ ‬توزيعها‭ ‬على‭ ‬أشخاص‭ ‬آخرين‭ ‬بشكل‭ ‬يصعب‭ ‬تتبعه‭. ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬بطء‭ ‬الإجراءات‭ ‬أو‭ ‬تعدد‭ ‬الإشكالات‭ ‬في‭ ‬التنفيذ‭ ‬لإطالة‭ ‬أمد‭ ‬النزاع،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬إنهاك‭ ‬الدائن،‭ ‬ودفعه‭ ‬إلى‭ ‬القبول‭ ‬بتسويات‭ ‬مجحفة‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬حقيقة‭ ‬حقه‭.‬

وإذا‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬النظم‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬جهودًا‭ ‬ملموسة‭ ‬قد‭ ‬بُذلت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬لتعزيز‭ ‬فعالية‭ ‬التنفيذ،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬محاكم‭ ‬متخصصة،‭ ‬وتطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬التنفيذ‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬وربط‭ ‬الجهات‭ ‬الحكومية‭ ‬والمصرفية‭ ‬بمنصات‭ ‬قضائية‭ ‬تسمح‭ ‬بالكشف‭ ‬السريع‭ ‬عن‭ ‬أموال‭ ‬المدينين،‭ ‬وتوقيع‭ ‬الحجز‭ ‬عليها،‭ ‬بل‭ ‬واتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬كمنع‭ ‬السفر‭ ‬أو‭ ‬وقف‭ ‬الخدمات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭. ‬وقد‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الحكم‭ ‬والتنفيذ،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬القانونية‭ ‬والاستثمارية‭.‬

إلا‭ ‬أنه،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التطور،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬بعض‭ ‬التحديات‭ ‬قائمة،‭ ‬خصوصا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتوازن‭ ‬بين‭ ‬سرعة‭ ‬التنفيذ‭ ‬وضمانات‭ ‬المدين،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬التنفيذ‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬تعسف،‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬رهين‭ ‬إجراءات‭ ‬مطولة‭ ‬تفقده‭ ‬جدواه؛‭ ‬فالتحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تمكين‭ ‬الدائن‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬عدالة‭ ‬متوازنة‭ ‬تضمن‭ ‬الحقوق‭ ‬دون‭ ‬إفراط‭ ‬أو‭ ‬تفريط‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬حيث‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬إجراءات‭ ‬التنفيذ‭ ‬صعوبات‭ ‬عملية‭ ‬تتعلق‭ ‬بطول‭ ‬المدد،‭ ‬أو‭ ‬صعوبة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أموال‭ ‬المدين،‭ ‬أو‭ ‬تعدد‭ ‬المنازعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتنفيذ‭ ‬ذاته،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬فعالية‭ ‬الأحكام،‭ ‬ويؤثر‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬الاستثمار؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬المستثمر،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معلوم،‭ ‬لا‭ ‬يعنيه‭ ‬فقط‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬حكم‭ ‬قضائي،‭ ‬بل‭ ‬يهمه‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬إمكانية‭ ‬تنفيذه‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬معقول‭ ‬وبكفاءة‭ ‬مقبولة‭.‬

وتتجلى‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬والتمويلي،‭ ‬حيث‭ ‬تمثل‭ ‬الأحكام‭ ‬القضائية‭ ‬أداة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬تحصيل‭ ‬الديون‭ ‬المتعثرة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬صدور‭ ‬الحكم‭ ‬لصالح‭ ‬البنك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬استرداد‭ ‬المديونية،‭ ‬خصوصا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬اصطدم‭ ‬التنفيذ‭ ‬بعقبات‭ ‬واقعية‭ ‬أو‭ ‬قانونية‭ ‬تعوق‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أموال‭ ‬المدين‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬بدوره‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬الائتمان،‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تشدد‭ ‬البنوك‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬التمويل،‭ ‬ورفع‭ ‬تكلفة‭ ‬الاقتراض،‭ ‬تحسبًا‭ ‬لمخاطر‭ ‬عدم‭ ‬التحصيل‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬ضعف‭ ‬فعالية‭ ‬التنفيذ‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليطول‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ككل؛‭ ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬درجة‭ ‬المخاطر،‭ ‬وإضعاف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬القانوني،‭ ‬ورفع‭ ‬تكلفة‭ ‬المعاملات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬على‭ ‬معدلات‭ ‬الاستثمار‭ ‬والنمو‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬البعد‭ ‬القانوني‭ ‬المتعلق‭ ‬بحماية‭ ‬المدين‭ ‬من‭ ‬تعسف‭ ‬الدائن؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬سرعة‭ ‬التنفيذ،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُقيد‭ ‬بضوابط‭ ‬واضحة،‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انتهاك‭ ‬حقوق‭ ‬أساسية،‭ ‬أو‭ ‬إلحاق‭ ‬ضرر‭ ‬غير‭ ‬متناسب‭ ‬بالمدين‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬معادلة‭ ‬دقيقة‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬حق‭ ‬الدائن‭ ‬في‭ ‬اقتضاء‭ ‬دينه،‭ ‬وحق‭ ‬المدين‭ ‬في‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬الجائرة‭.‬

ويبرز‭ ‬هنا‭ ‬دور‭ ‬قاضي‭ ‬التنفيذ‭ ‬بوصفه‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة؛‭ ‬إذ‭ ‬يتعين‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يمارس‭ ‬سلطاته‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬الفعالية‭ ‬دون‭ ‬الإخلال‭ ‬بالضمانات،‭ ‬وأن‭ ‬يتصدى‭ ‬لمحاولات‭ ‬التحايل‭ ‬أو‭ ‬التعسف،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬المدين‭ ‬أو‭ ‬الدائن،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬التنفيذ‭ ‬أداة‭ ‬لتحقيق‭ ‬العدالة،‭ ‬لا‭ ‬وسيلة‭ ‬للضغط‭ ‬أو‭ ‬الإضرار‭.‬

وإذ‭ ‬نمعن‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬التجارب‭ ‬المقارنة،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الاتجاه‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النظم‭ ‬القانونية‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬أدوات‭ ‬التنفيذ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وتبسيط‭ ‬الإجراءات،‭ ‬وتقليص‭ ‬المدد،‭ ‬مع‭ ‬فرض‭ ‬جزاءات‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يثبت‭ ‬تعمده‭ ‬عرقلة‭ ‬التنفيذ‭ ‬أو‭ ‬التهرب‭ ‬منه‭. ‬وهو‭ ‬اتجاه‭ ‬يعكس‭ ‬إدراكًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬لأن‭ ‬فعالية‭ ‬القضاء‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬إلا‭ ‬بفعالية‭ ‬التنفيذ‭.‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬يقودنا‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الحكم‭ ‬القضائي،‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬والحجية،‭ ‬يظل‭ ‬قاصرًا‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬غايته‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقترن‭ ‬بآلية‭ ‬تنفيذ‭ ‬فعالة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحويله‭ ‬من‭ ‬نص‭ ‬جامد‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬حي؛‭ ‬فالعدالة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُنفذ،‭ ‬تظل‭ ‬عدالة‭ ‬منقوصة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬جديد‭ ‬للظلم،‭ ‬حين‭ ‬يُترك‭ ‬صاحب‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬صعوبات‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬اقتضائه‭. 

 

رؤية‭ ‬قانونية

لعل‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬بمكان‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬النظم‭ ‬القضائية‭ ‬في‭ ‬دولنا‭ ‬العربية،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ومصر،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الأحكام‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬كفاءة‭ ‬تنفيذها،‭ ‬بوصف‭ ‬التنفيذ‭ ‬هو‭ ‬المعيار‭ ‬الحقيقي‭ ‬لفعالية‭ ‬العدالة؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نُحسن‭ ‬صياغة‭ ‬الأحكام،‭ ‬بل‭ ‬يتعين‭ ‬أن‭ ‬نُحسن‭ ‬كذلك‭ ‬ضمان‭ ‬نفاذها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تطوير‭ ‬تشريعات‭ ‬التنفيذ،‭ ‬وتعزيز‭ ‬دور‭ ‬قاضي‭ ‬التنفيذ،‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬استخدام‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬مع‭ ‬إقرار‭ ‬جزاءات‭ ‬رادعة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬التنفيذ‭ ‬أو‭ ‬التحايل‭ ‬عليه‭.‬

فالقضاء،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬ليس‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تحولت‭ ‬الأحكام‭ ‬القضائية‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬تعيد‭ ‬الحقوق‭ ‬إلى‭ ‬أصحابها،‭ ‬وتكرس‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭. ‬

 

‭* ‬مستشار‭ ‬مصري‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان